... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  مقالات و حوارات

   
تــلـك الــبـــــلاد

فاروق يوسف

تاريخ النشر       26/04/2010 06:00 AM


قرأت ذات مرة جملة لرينه ماغريت يقول فيها: "لم أعد أتذكر". فاذا كان السوريالي المعتق الذي يقوم عمله كله على الذاكرة لم يعد يتذكر، فإن الحقيقة في خطر. قلت لنفسي: ولكن، متى لم تكن الحقيقة كذلك؟ قلت سأكتب لأتذكر. في إمكان الكتابة أن تتخيل. للذكرى خيالها أيضا. كنت دائما أسمّيها العراق، تلك البلاد. لكن المسافة التي وقعت بيننا، صنعت لكلٍّ منا خيالاً مختلفا. غربتها وغربتي ذهبتا بنا بعيدا عن كل تسمية سابقة. سأسمّيها تلك البلاد وهي الصامتة.
بخار مائدتها
أتوقع قيامتها. يوما ما. خارج كل زمن، في المكان الذي أقف أنا فيه الان تماما. قدما حصان تجريان بها. أعبر ساقية لأجلس لاهثا بين شجرتين. أنظر إلى الخريف. فكرته تعبث بي. أوراق خضراء كثيرة سقطت مني في الطريق. ما من مرآة لأرى فيها وجهي. ما الذي يحدث في تلك البلاد؟، أتأوه. الجغرافيا تخون. بين أصبعين كلمة منها. الكلمة التي تقولها ولا تشبهها. أتسلق أنفاسها. ما تبقّى من بخار مائدتها. أشعر بالجوع. يشفّ سطح البحيرة عن أسماك صغيرة. تلهو الكائنات كلها من حولي. الغيم يقع على رؤوس الأشجار. ساعة في مكان ما، تدقّ جرس انذار. اتلفت. حريق، وما من نار. يقظة، وما من نائم. الفجر مثل عصفور يقفز من المصطبة الخشبية إلى الأرض. تنتعش الأعشاب بالضوء. صوت المغنّي يجرحني: "شفت الضوه من بعيد قلت احترقنا". من الكوخ الصغير الذي لا أظنه يتسع سوى لحياة موقتة، تُخرج امرأة رأسها. تضحك المجنونة. سيرتها تنبعث من بين أسنانها. المنسية بين ذكرياتها. ليس لديَّ سؤال في عينه. صارت تتكلم كما لو أنها تحلم. أنت ترى ما لا يظهر أمامك. ترى لتتأكد من أنك لا تزال حيا. خرقاء فكرتك عن الماضي، وأخرق سلوكك. تعيدني إلى يأسي الذي شفيت منه. أتخيل أن سمكة ذهبية قد التقطت رأس صنارتي الوهمية. أعوم في البحيرة من غير أن أغادر مكاني. لم يكن ذلك الكوخ الصغير موجودا إلا من أجل أن يؤوي تلك المرأة التي اخترعتها لتنصفني. مضى جزء عظيم من الليل. لن تختفي. أقصد المرأة وأنا أراقب صخرة مخضرة يتسلقها الموج. صورة جدّي وهو يطارد خرافه تتمكن مني. أبحث عن ذلك الخروف الذي حين مات، بكى جدي. ما من أحد في إمكانه أن يدلّني الى ذلك الخروف. عمتي نوعة، وهي مؤرخة العائلة ماتت، من غير أن يجرؤ أحد على ابلاغي بخبر موتها. ذات مرة قال لي أبي بطريقة خاطفة من خلال الهاتف: مات فلان وفلانة وعمتك نوعة وفلان. صمت ثم أضاف بصوت باك: ألو. لا أسمع صوتك. فجأةً شعرتُ أن عالمي القديم كله انهار. لم يعد لديَّ أحد. كنت أتخيلها خالدة مثل عشتار. تلك المرأة التي صنعت من طفولتي طبقا ساحرا من السعادة. تكذب لتلمّ المختلفين تحت عباءتها. حبّها يرقد في البلعوم مثل طعم الزلابية. بزرنكوش. قلت لها وأنا في الثلاثين من عمري. هل تعرفه؟ كما لو أنها قررت أن تجلب لي ذلك الشيء الذي لم أكن أعرف ما هو. ضحكت حين لاحظت ارتباكي. الاغاني وحدها تجعلك بغداديا، قالت ونسيت وعدها. تلك البلاد كيف يمكن أن تكون موجودة وقد اختفت منها عمتي نوعة؟
الفتى الشاعري
أنا هناك أكثر مما أنا هنا، أقول للمرأة التي لا تزال تقف عند باب كوخها. كنت أقف في طابور في راس الحواش من أجل أن أحصل على حصتي من زنود الست. كدت أقول لها: "شفته بعلاوي التمن"، غير أنني احجمت. السخرية هي الأخرى نوع من البكاء. أمرّ غريباً. اجلس هنا غريباً. أقف هناك غريباً. المرأة الأسوجية الواقفة عند عتبة باب بيتها، لا تشبه احدا ممن يقفون في الطابور من حولي. "ولفي عدنا"، لن تفهمها مترجمة. التقيتُ صديقي صاحب الشاهر في علاوي الحلة ذات فجر. كان أشبه بالطفل الذي ألبسوه بدلة أبيه. جندي مثلي بملابس كاكية. كان ذاهبا إلى الشمال فيما كنت أذهب إلى الوسط. لم يكن لائقا بنا أن نتحدث عن الحرب ولا عن الشعر. شعرنا بالحرج. نظرت في عينيه. نظر في عينيَّ. كانت هناك دموع كثيرة مؤجلة. لم نكن نؤمن بالواقع. ضحك. أتذكر أنه قال لي بيأس: صرنا مهرجين يا صديقي. أخذتنا الحرب من كراسي المدرسة، من أثداء أمهاتنا، من "مراجيح" العيد، من صباح العرس، من شوق السفر، من صمت القبلة، من دفاتر الشعر، ومن ألغاز الحداثة. لم يكن صاحب الشاهر يصدّق ما هو فيه. خائبا ودّعني. رأيته يمشي بقدمين ثقيلتين ليستا قدميه. الحرب لا تعيرنا أحذية فحسب بل أقداما أيضا. بعد أيام مسّني خبر موته مثل تيار كهربائي. مات الفتى الشاعري، قال لي حسين الحسيني. شعرتُ يومها بالحاجة الى ساعة من نوع مختلف لقياس الزمن. بدت الأرض بعيدة. كان صغير الحجم. صاحب الشاهر، كان الأقل وزنا بيننا. كنا الورثة في صفتنا شعراء عقد، سيكون هو الأجمل في تاريخ العراق المعاصر. شعراء السبعينات. يعلّق الشاهر: "خوش كذبة". بعد سنوات يأتيني صوت حسين الحسيني وقد كنت في الدوحة: اشتريت هاتفا وخطا تلفونيا ورفعت نخبك البارحة في اتحاد الادباء. بمكافأة المقالة التي بعثتها لي قمت بكل ذلك، بل ودفعت حساب المائدة. كان الحسيني يحب مريم. لكن ما من أحد عرف من هي مريم. فاتنته كانت تقيم في احدى دول أوروبا الشرقية، كانت شيوعية ولم يكن إسمها الحقيقي مريم. صرت أتمنى أن أسعد رجلا لا يبخل على الآخرين بأخبار سعادته. كان يعدّ القهوة بنفسه لضيوفه في مكتبه الواقع في الطبقة الرابعة من وزارة الثقافة. هناك يشعر المرء كما لو أنه في مضيف رئيس عشيرة. يوم أخبرته أني سأترك البلاد سراً، نظر إليَّ متألما وقال: "أترك لي الكتب التي تُقرأ مرتين أو اكثر". آلمني خبر موته. ولم يعد يهمّني مصير تلك الكتب التي اتمنى أن يكون قد قرأها. ما يجب أن اعترف به، انني لم أر رجلا يحب صديقه مثلما هي الحال مع حسين الحسيني في علاقته بصاحب الشاهر. صداقة هي نوع من التصوف. عبادة من نوع خاص وخفيّ. كان الحسيني يتوقع حضور الشاهر كل لحظة. ويذكره كما لو أنه قد أمضى الليلة الفائتة معه. لم يكن في إمكان أحد أن يذكّره بأن صديقه قد مضى إلى غير رجعة. صنع الحسيني لصديقه الشاعر أيقونة أخرى، شبيهة بأيقونة معبودته مريم. الإثنان يقيمان في المكان اللامرئي. أحيانا يغمض عينيه، لا ليقول شيئا، بل ليحلم. "لديّ رسائل كثيرة منها، سأنشرها بعد موتي"، كان يقول. هناك خطأ في الجملة، لا أحد يعترض عليه. وهي جملة كررها الحسيني كثيرا. غرامه لن يذهب معه إلى القبر إذاً. سمعنا وأطعنا. مات الحسيني وبقيت رسائلها في خزانته.
نعاس الموسيقي
كانت المرأة لا تزال واقفة عند عتبة باب كوخها في انتظار جوابي. محاطة بزهورها، المرأة التي لم أكن أرى منها سوى هيئتها الأمامية. يوماً ما ستمل من وصف حياتك السابقة، قالت. أتمنى، قلت بخفة. سألتني: ألا تشرب شيئا من القهوة؟ أومأتُ برأسي موافقا. حين اختفت، شعرت بالراحة. يسبح البطّ هنا بالطريقة نفسها التي كان يسبح بها في حديقة الأمة. حين زرت تلك الحديقة للمرة الأولى، كان العراق مملكة، ومع ذلك فأنا لا أشعر بالحنين إلى الملكية. كان الناس كلهم فقراء. يومها لم أكن بعد قد رأيت الأغنياء. لا تحتاج معرفة الفقر إلى المقارنة. كنا فقراء إلى الدرجة التي لا تسمح لنا بإطعام البط في حديقة الأمة. كنت أقف على الجسر وأنظر بحسرة إلى الأيدي التي تلقي الذرة المنفوشة إلى البط. أنظر بمتعة ممزوجة بالألم إلى تلك الحبّات المحلقة في الهواء. قف لأصوّرك، كنت أسمع المصورين وهم يرددون هذه الجملة. لم يقلها أحد لي. لم يرغب أحد منهم في تصويري. غير أن أبي جلب ذات مرة واحداً منهم ليلتقط لنا صورة. انا وهو. أجلسني على سياج حديقة الامة وأنا أرتدي دشداشة مقلمة فيما وقف هو ببدلته التي تسلمها لتوّه من خياطه الباكستاني. كنا طريين. كنت يومها احلم بعد التصوير بنزهة، غير أن أبي أعادني إلى البيت مسرعا. كان أبي على عجلة من أمره دائما. النساء اللواتي سأتعرف الى فتنتهن في ما بعد، كن قد صنعن له جسراً إلى ما لا يرى من وجوده. كان غنياً بهن. يتأنق من اجلهن. ومن أجلهن، يغطي جسده بأغلى الثياب ويرشّ ذلك الجسد بأغلى العطور. كانت بغداد يومها تعجّ بالمتأنقين الفقراء. انتمى أبي باعتباره عازفاً على العود، إلى فرقة موسيقية كانت تعزف في أحد الملاهي. على الرغم من حياته الليلية، فإن أبي لم يكن يدخن ولم يشرب الخمر مرة واحدة في حياته. وزّع وقته بين الموسيقى وامرأة ما يحبّها. كرهه لرجال الدين لم يمنعه من اداء الطقوس الدينية بشعور عظيم بالمتعة، وهي الصفة التي ورثتُها عنه. الموسيقي الليلي لم يكن سوى عسكري محترف في النهار. عاش حياتين، وما بينهما أتذكره نائماً على بساط على الارض فيما صوت أم كلثوم ينبعث عالياً من المذياع. بغداد كلها كانت تستمع إلى السيدة ظهر كل يوم. أتذكر أبي حاملاً عوده، برفقة عمي حميد حاملاً كمنجته، وهما يغادران محلة الصنم عصراً، حرصا منهما على أن لا يراهما أحد من سكان المحلة الذين كانوا حينها يعدّون شاي العصر أو يشربونه، بحسب العادة البغدادية العريقة، ولا يعود الاثنان إلى البيت إلا بعد منتصف الليل، محمّلين أحاديث الفتيات اللعوبات. موسيقيان تقطعت بهما السبل: قرر عمي أن يختصر حياته، فتزوج وذهب للسكن في كركوك، بعيدا من عائلته، فأنجب عددا من الأبناء والبنات، وقُتل هو وزوجته بعدما انقلبت بهما السيارة التي كان يقودها بنفسه في طريقه إلى بغداد. أما أبي فقد بقي وحيدا مع عوده بعد اعتزال عمي الموسيقى. كانت واحدة من مآثره في تلك المرحلة، أنه شارك في العزف في حفلة اللبنانية هيام يونس، التي أشيع في بغداد أنها خُطفت بعد تلك الحفلة. كان بين الحين والآخر، يذكر جميل بشير، باعتباره معلّمه. كانت في بغداد نهاية الخمسينات وبداية الستينات، معاهد أهلية كثيرة لتعليم الموسيقى. مع ذلك، فإن البغداديين لم يتخلوا عن كلمة "دنبكجي" في وصف الموسيقيّ. وهي كلمة جارحة في السياق اللغوي الشعبي. أمضى أبي امسيات متلاحقة عاكفا على عوده، من غير أن يغادر البيت. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه. يظل محتضناً عوده ويضرب على اوتاره أنغاماً، بعضها كان معروفا والبعض الآخر كان مجرد تمرينات، إلى أن يشعر بالنعاس فينام من غير أن يضع عوده في زاوية الغرفة كما كان يفعل سابقا. ذات يوم رأيناه وقد ارتدى بدلته الانيقة وحمل عوده، فتوقعت أمي أنه عاد إلى سيرته الأولى. ابتسم وتوجه إليَّ قائلا: تعال معي. خرجنا من محلة الصنم معاً، يدي بيده وأنا أشعر بالزهو. حين وصلنا إلى سياج حديقة الامة، أوقفني أبي ومدّ لي يده  بالعود: خذه. لم أكن من قبل قد أمسكتُ به. إنه خفيف، قلت لأخفي حرجي وأنا أحمله بين يديَّ. حملته مثلما تُحمل البطيخة. قال لي بصوت خفيض: سأمشي أمامك. أضربه بعمود الكهرباء ما إن تصل اليه. كلامه اربكني، ولم أفهم شيئا منه. أعاد أبي جملته بعصبية هذه المرة، من غير أن يعلو صوته. تركني ومشى. لم يلتفت إلا حين سمع صوت ارتطام العود بعمود الكهرباء. حينها كنت أقف مشدوها وبيدي رقبة العود. بكيتُ حين رأيته ينظر إليَّ بطريقة مختلفة. ركض إليَّ واحتضنني وهو يقول: لا تخف. كنت أشفق عليه. كانت البلاد صغيرة يومها. لكأني شعرت أن كل البلاد تنظر إلى أبي وهو يقاوم دموعه. بعد ثلاثة عقود من الزمن اعترف أبي لي قائلا: لو أني بعتُه لما غفرتُ لنفسي تلك الخيانة، حينها فكرتُ في قتله ولم أجد أمامي أحداً سواك لتنفيذ الجريمة من غير أن يشعر بقسوتها.
رسول الساحرات
رأيتها واقفة أمامي وفي يديها قدحا قهوة يتصاعد منهما البخار. ضوء الشمس يضرب سطح البحيرة. مرآة تعمي الأبصار. تتداخل ظلال الأشجار، فيما أصوات الطيور تلتهم الهواء. كنت أقف عند باب القصر الأبيض في انتظار أمي. صار الحارس المزيّن بريشة تعلو قبعته، يناديني باسمي: تعال إلى الظل. الشمس قوية هذا اليوم. أنظر في عينيه وأنا أفكر في الساحرات اللواتي ينغلق باب القصر عليهن. تراءت لي مكانسهن وهي تحلق في فضاء لا متناه. سمعتُ ضحكاتهن وهي تعصف بالسحب كالريح. أقف في ظل الحارس الصامت وانا استمع إلى أصوات ناعمة تخترق الباب لتصل إلى أذني من غير أن تحمل كلمات في عينها. ربما هو أثر بساط الريح يشقّ الهواء صاعداً أو نازلاً. ربما هي صيحات عيدان البخور الفرحة بروائحها المنبعثة من الجمر، ربما هي خطى الأرواح تجلس حول مائدة، وضعت عليها كرة بلورية. الجدار العالي يمنعني من النظر إلى الداخل. ذات مرة انفتح باب صغير يقع في الزاوية اليمنى من الباب الكبير، ورأيت رجلاً مسنّاً يخرج حاملاً باقة أزهار. ابتسم الرجل وقدّم إليَّ زهرة حمراء بغصن طويل. قلت له: شكرا. كما لو أنه لم يسمعها، ظل ماشيا إلى أن عبر الشارع إلى الرصيف الآخر ومن ثم اختفى. البستاني، قالها الحارس من غير أن يغيّر من وقفته المستقيمة. صرت أفكر في مبعوث الساحرات الى عالمنا. الرجل الذي يجلب اليهن الأخبار والثياب والاطعمة، ولكن هل تأكل الساحرات الطعام نفسه الذي نأكله؟ رأيت في حلمي عددا من الساحرات وقد وقفن أمام قدور كبيرة وفي يد كل واحدة منهن ملعقة كبيرة من الخشب. يسمّيه الحارس بستانياً، وهو لا يعرف شيئا عن وظيفته الأخرى. يوما ما ستتاح لي فرصة أن أتبعه لأتعرف الى حقيقته. وهذا ما حدث حين رأيت رسول الساحرات مرة أخرى، لكن في مكان آخر. كنت في طريقي إلى المدرسة حين قطع حشد من الرجال الشارع في تظاهرة مهرولة. كان الرجال يرفعون أيديهم ويفتحون أفواههم على وسعها في وقت واحد. فجأةً وقع بصري على ذلك الرسول مرفوعاً على الاكتاف وهو يصيح بصوت متشنج: "ما كو زعيم إلا كريم". بعدما انكشف لي السر، وبان، صرت أردد بصوت عال الجملة التي كان رسول الساحرات يهتف بها، إلى أن لطمني عمّي صبري على وجهي وهو يصرخ: أسكتوا الفتى قبل أن يؤدي بنا الى الهلاك يا جماعة. في الايام التالية كنت اقف قرب حارس القصر الأبيض وأنا أراقب خلسة الباب الصغير، الذي ربما ينفتح ليخرج من خلاله رسول الساحرات. ولكن ذلك الباب انفتح كثيرا من غير أن يخرج الرجل المنتظر. خرج رجال كثيرون ونساء كثيرات بحقائب كبيرة وصغيرة وبأيد فارغة، غير أن أحدا من الخارجين أو الخارجات لم يكن يبدو ذاهبا في مهمة عاجلة، مثلما كانت هي حال ذلك الرسول الثائر. بعد وقت قصير اختفى الزعيم واختفى القصر الأبيض وحارسه من حياتي، بعدما صرت أذهب مباشرةً من المدرسة إلى البيت وأعود وحدي. أما ساحرات ذلك القصر فما زلن يخرجن عليَّ كل فجر، ليبدأ نهاري بهن. قبل أن تبرد القهوة: تضع يدها على يدي كما لو أنها تحاول أن توقظني. "هكسا". تقولها بالأسوجية أيضا. تضحك بوجه مشفق. وجوه الساحرات تلمع تحت سطح الماء، تختبئ بين شجرتين، تنزلق على الجسر الخشبي الرطب. بعد سنوات، كنت أطل على باحات القصر الأبيض من خلال نافذة تقع في الطبقة الثانية من الباص الاحمر رقم 4 الذاهب من ساحة الميدان الى ساحة الاندلس، مخترقا شارع النضال. بيت ناصع البياض تعلوه قبة هي الأخرى بيضاء وتحيط به حديقة أنيقة غادرها مقص البستاني لتوّه. كان خريف حياتي يومها بعيداً، فيما كانت الأوراق تتساقط من أشجار تلك الحديقة.
بريد الجنوب
في ذلك الوقت تعرضت حياتي لصدمتين، امتزجتا الواحدة بالأخرى: الحب والموسيقى. ظهرت الرسولة بشعرها القصير مثل معجزة من غير أن تمهد لنهارها. التحقتُ بها مثل مريد عثر على لمعة منه في خطوة من وليّه. فتاة في سنّي كانت أشبه بصبي جميل، صارت ترسم في خيالي خرائط فتوحاتها. نحيلة، تخترق نظرتها الثابتة حجابا من الدموع لتصل إلى فكرتها عن الشيء. تقترح صورة لما لا يُرى. لم تكن تثق بالصورة المباشرة على الرغم من أنها كانت تمرّن جسدها على أن يكون ماكينة صور. موهبتها الاستثنائية في الانصات إلى الموسيقى، زرعت على لسانها بضع كلمات متوترة، تريح الكلام من جمله الطويلة. أذكر أنها كانت تتألم، يوم تعرفت اليَّ. منعني صمتها من السؤال عن أحوالها. حنان يدها يمحو حيرتي. يوم كنت مسحورا بها، لم أكن أعرف عنها شيئا. ما نفع أن تعرف شيئا عن طائر، هو في طريقه إلى التحليق؟ رجوتها ذات مرة أن تسجل بصوتها الناعم مقاطع من "بريد الجنوب" لأكزوبيري على شريط لأستمع إليه حين تغيب. لم تكن تصدّقني لكي لا تعترف إنها كانت في طريقها إلى الغياب حقا. مأخوذا بالفتاة النادرة المأخوذة بالموسيقى، كنت أرافقها إلى الأب فيليب، صديقها وراعي إحدى الكنائس في "بغداد الجديدة". هناك كان باخ في انتظارنا. دائما باخ، ولا أحد سواه. كانت تنصت إلى الموسيقى كما لو أنها تعيش أولى لحظات خلق الكون، فيما كنت أنصت إلى ايقاعات جسدها. الآن كلما أنصتُّ إلى شيء من باخ، رأيتُ رقبتها وهي تكتظ بالاصوات الصاعدة والنازلة. صار الأب فيليب ما إن يرانا ندخل عليه حتى يغادر مكتبه بخفة ليحتضننا معا، يطبق يديه علينا: يدا على كتفها ويدا على كتفي. في تلك اللحظة كنت اشعر بنشوة تكاد تغيبني عن الوجود. تهبنا لمسته أجنحة، حتى لأكاد الآن أكون متأكدا أن فيليب كان يرغب في أن يمزج ريش جناحيه بأجنحتنا الفتية. لحظة صوفية عشتها بعمق، جعلتني لا أفكر في فتاتي إلا باعتبارها كائناً مغادرا. كنت أرى الجمل الموسيقية وهي تتسلل إلى جسدها فيخيّل إليَّ أن ذلك الجسد قد تخلى عن لحمه القليل وامتلأ أنغاما. كنا نخرج من الكنيسة خفيفين، حينها تكون فتاتي شرسة في وعيها، تلقي جملاً سريعة، لم أكن أتبين الكلمات فيها. ولم تكن تلك الجمل إلا الموسيقى وقد أخذت هيئة أخرى. نعبر في العتمة دروباً بغدادية ضيقة، من غير أن نلقي نظرة واحدة على ما يحيطنا. ننتقل من غرفة إلى أخرى وكانت بغداد بيتاً. "تاسعة بيتهوفن"، قالت لي بيأس حين سألتها ما الذي ترغب أن اجلبه لها من أوروبا. حين اختفت، تذكرتُ أننا نسينا أن نقول الجملة الوحيدة التي كنا نؤجل البوح بها. بعد ثلاثين سنة، جاءني صوت أختي من بغداد وهي تقول لي: "الوحيدة التي لم تتلف من بين اسطواناتك هي تاسعة بيتهوفن، ما الذي نفعله بها؟". صوتها يأتيني من مكان بعيد: كأنك نمت. كأني منذ عشر سنين وأنا أمشي نائما. منذ عشرين سنة وأنا أهذي. منذ ثلاثين سنة وأنا أكلم نفسي. منذ أربعين سنة وأنا أجمع الغيوم في أكياس من الخيش، منذ خمسين سنة وأنا أمشي وراء كلب وهمي لم يلتقط طوال تلك السنوات عظمة حقيقية. هل كانت البلاد كلها نائمة مثلي لتستيقظ عام 2003 على موتها؟ 

رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

بحث عن الكتاب


انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 


دليل الفنانيين التشكيليين

Powered by IraqiArt.com 


 

 

 
 
 

Copyright © 2007 IraqWriters.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni