... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  مقالات و حوارات

   
أوقـفـوا هـذا الابـتـذال.. أوقـفـوا تشـويـه العـمـارة!

د. خالد السلطاني

تاريخ النشر       03/08/2010 06:00 AM


لم أرد، كما ليس من طبعي، ان اكون حاداً وقاسياً؛ بتلك الحدة الظاهرة التى يشي بها عنوان مقالتي. لكن موضوع المقالة ونتائجها المدمرة والكارثية، تجيز، كما اعتقد، لي (وازعم للآخرين ..ايضاً) اصطفاء مثل ذلك الاسلوب (الذي يبدو قاسياً)،للتعاطي مع موضوعها. نحن نتكلم عن قضية عامة، قضية قد تبدو وكأنها محض مهنية، بيد انها في حقيقتها ذات ابعاد مركبة، تتجاوز "مهنيتها" لتضحى مسألة رأي عام، وهي بهذا ترتقي باشكالياتها وهمومها الى مصاف شأن ثقافي وحتى وطني بامتياز. ونعني بها، كما دعوناها، ممارسة تشويه (واذا اردتهم الحقيقة: "تسفيه") المنجز المعماري العراقي الحصيف، الجارية الآن على قدم وساق في عراق اليوم بشكل عام وفي بغداد المعاصرة على وجه الخصوص. والامر، هنا، لا يتعلق البتة برغبة البعض الى "تجديد" المبنى او المباني، او التحري عن مكسب لاضافة فضاءات جديدة الى البناء القديم. كما انه لا يشكل نوعا من "مشاكسة" تخص استحقاقات صاحب المنصب المشغول، والجدل في ولاية قراراته وشرعيتها. فالموضوع المثار ابعد من ذلك. والمقالة لهذا تبتغي، فيما تبتغيه، تأشير العوامل التى ترسخ التأخر، وتتطلع الى تفكيك اثاره المدمرة.
ليس من ثمة حاجة التذكير، بان الامم والشعوب تحث خطاها السريع نحو هدف التقدم والازدهار عبر طرق واساليب مختلفة. لكن كثيراً ما ترى، وليس من دون مصداقية، بان اسلوب تراكم الخبر وتجميع المعرفة والمعلومات، لا يفتأ يظل يمثل الطريق الاكثر صواباً والاكثر نجاعةً للوصول الى تلك الاهداف المبتغاة. ويرى البعض ان جهل الناس او تجهيلها بانجازات حضارية سابقة وطمس وتشويه واقتلاع مآثرها الابداعية، هي من اهم الاسباب التى تؤسس لظاهرة محو المتحقق واقصائه عن الذاكرة الجمعية، فاتحة المجال واسعا امام موجات انحطاط حضاري مخيف وخراب مزمن، لا يشفى بسهولة. ومثل هذه الظاهرة تتسيّد بقوة، عادة في المشهد، اثناء الحروب وما ينجم عنها من نتائج صادمة. كما ان فعل الكوارث الطبيعة وما قد تتعرض له منجزات البلد الحضارية تفضي الى مثل تلك النتائج المدمرة، وكل هذا بالطبع  يسهم في "خلق" بيئة "صالحة" للتأخر الذي يولد الانحطاط. من هنا تغدو رعاية الدولة وحرصها على ادامة واظهار وحفظ الاثار الحضارية، بمثابة واجب وطنى تلتزم به ازاء مواطنيها ومستقبلهم، وتسعى وراء تحقيقه بمختلف الاساليب. كما ان المنظمات الاهلية الناشطة في البلاد تسهم هي الاخرى بنشاط مؤثر وفعال في هذا الاتجاه.
واذا حاولنا ان نرى انعكاس تأثيرات تلك الظاهرة التى اشرنا اليها تواً على المنجز المعماري، وهو موضوع مقالنا، فان المشهد المتبدي الناجم عن فعل ذلك النسيان والمحو المتعمد واجراءات التشويه الظالمة، سيكون مفزعا وكارثياً وبالطبع محزناً. وبغية التصدي لموجات الظاهرة العاتية اياها، سارعت هيئات دولية ومنظمات عالمية عديدة في التشكل والظهور واضعة نصب اعينها هدف الحد من تأثيراتها التدميرية وايقاف تداعياتها المأساوية. ولعل ما تقوم به منظمة "اليونسكو" من عمل مؤثر ومفيد في هذا الجانب، سيما برنامجها المقدرّ عالمياً، الخاص بانشاء سجل للموروث الثقافي العالمي (معظم نماذجه، كما يعرف المهتمون، شواهد معمارية وتخطيطية)، ومناداتها للجميع: دولا وشعوبا وافراداً بضرورة الحفاظ على مفردات ذلك السجل؛ يعكس طبيعة العمل التائق لصد خطورة تلك الظاهرة، ووضع الحلول التى تسهم في تجنب عواقبها الوخيمة.
وفيما يخص ما يحدث آنياً في الممارسة المعمارية بالعراق، فثمة هيجان سافر لتلك الظاهرة تسوغها وتديمها نزعة طاغية من مزاج شعبوي حافل به المشهد العراقي الان، تاركاً اثاره المدمرة على المنتج المعماري وعلى روائع نماذج العمارة العراقية السابقة في عملية تشويه غير مسبوقة. وهذا المزاج الشعبوي الجارف والمهيمن على المشهد، ليس فقط لا يريد ان يعلم عن طبيعة المنجزات المعمارية السابقة ولا يرغب في التعلم منها، وانما يتقصد في ضوء شعبويته المبتذلة اسباغ "قيمه" على المنتج الراهن وعلى عمليات "التجديد" التى تطال روائع المنجز المعماري العراقي المصمم  من قبل معماريين عراقيين واجانب، هو الذي  كانت نماذجه فخراً للعمارة وفخراً للثقافة في آن.  ولا اعتقد ان بواعث تلك النزعة مقتصرة فقط على مهنية المعماريين العراقيين العاملين الآن في المشهد ، ولو ان بعضهم جزء من المشكلة ويتحملون بالتالي قسطا منها. ان ما يرعب ويثير الغثيان، هو ان طبيعة القرارات الخاصة بالشأن المعماري، تتخذ من قبل اناس لا يمتلكون اية آهلية لذلك، لا مهنيا ولا حتى ثقافياً. يضاف الي ذلك فقدان المتابعة من قبل الجهات المسؤولة لجهة تطبيق الضوابط والتعليمات، والتغاضي الشنيع عن دورها الرقابي، فضلا عن طفح الفساد المالي والاداري لمستويات عالية، يصاحبه صمت المهنيين والاكاديميين المختصيين وغياب النقد الموضوعي لتك الظواهر، مع  هيمنة وسطوة الخطاب الشعبوي، كما اسلفنا، وتحكمه بدفة الوضع المعماري، وهو ما افضى ويفضي الى مثل تلك الكوارث الصادمة التى "تتحقق" الآن في المشهد، المشهد الذي كانت نماذجه المبنية، يوما ما، موضع افتخار واحترام كبيرين، ان كان على المستوى الاقليمي ام العالمي!.  
وحتى لا يكون حديثنا محض كلام عن ظاهرة مدانة، سنتوقف عند بعض الامثلة المستلة من واقع "ممارسات" تلك الظاهرة. ومع اني اعترف بان امثلة عديدة منتشرة الان بشكل واسع في جميع ارجاء العراق،سواء تلك التى تبتغي الاضافة و" التجديد" الى مبنى معروف معمارياً ومهم ثقافياً، او الى تصميم مبنى جديد مشيد في بيئة عمرانية ذات مواصفات فريدة تخطيطيا وتتمتع بخصوصية معمارية مميزة، فاني سوف اتوقف عند امثلة مصطفاة، اقتصادا لوقت القارئ. دعونا، اذن، نبدأ من واقعة "تجديد" مبنى مشغل الهلال الاحمر في العلوية ببغداد (الذي يشغله الان مستشفى ابن رشد التعليمي للطب النفسي).
ساستبق تقديم الدلائل والشواهد، لاصل الى نتيجة مفادها باننا امام كارثة حقيقية نزلت بالمنجز المعماري وبالثقافة العراقية على حدٍ سواء!. فالمبنى المشيد عام 1949، والذي عد من قبل كثر اهم انجاز معماري حداثي شهدته عمارة الحداثة بالعراق، ذلك المبنى، الذي يوما ما، كتبت عنه ما يلي:  .."تكاد تكون لغة التصميم المعتمدة في عمارة مشعل الهلال الاحمر بمثابة صدمة مفاجئة للمشهد الثقافي عموما والمعماري على وجه الخصوص. انها لغة جديدة، حداثية، وغير مسبوقة في الممارسة المعمارية المحلية. من هنا امتياز عمارة المبنى وتفردها، العمارة التى ستؤسس لاتجاه جديد يشي بنقطة انطلاق مغايرة في مسار العمارة العراقية الحديثة. وهي بصفتها الاستثنائية هذه، تكون قد لبت على وجه اكمل، نداءات ارهاصات التغيير، المعبأ بها الخطاب الثقافي وقتذاك؛ والتى وجدت في عمارة المشغل تمثيلا ناجحاً وكفوءاً لها.” (المدى؛ ملحق ورق؛ 06 12 2009). وكتبت ايضا عنه في جزء آخر من الدراسة":. “تشي الهيئة البسيطة للمبنى"بسهلها الممتنع" بآهلية مهنية، وهذه الآهلية تولد الاجتهاد، الاجتهاد الذي بمقدوره ان يدهشنا بمنجزه الابداعي، ويشعرنا بفرادة التصميم، ويقنعنا بالاهمية الفنية التى تستحقها، بكونها صيغة من صيغ المتن الابداعي العراقي المرموق وقتذاك، الصيغة التى شكلتها قرارات تصميمية خاصة، اتكأت اساساً على مرجعية حداثية، نشد مصمماها ان تكون تأويلاتهما الشخصية لها مفعمة بالحس المكاني ومراعية لخصوصية سيرورات المجتمع الذي نشأت به تلك العمارة. انها من دون شك "رونشان" العمارة العراقية الحديثة، بمعنى انها تمثيل لمرحلة مفصلية في مسار العمارة المحلية ، وهي بهذا المعنى  توازي اهمية مبنى مصلى "رونشان" Ronchamp الكربوزيوي، الذي عُدّ من قبل كثر اهم انجاز عمارة الحداثة وفاصلها البليغ، والذي عنده تحديدا تشعب المسار المعماري لينهى في الاخير مرحلة الحداثة ويفتح ابواب "مابعد الحداثة " على مصراعيها!.” ( المدى، ملحق ورق، 20 12 2009). ان ذلك المبنى، الذي دعوناه بـ"رونشان" العمارة العراقية، إستحال الى سقيفة خربة، جراء قرارات غير مسؤولة صادرة على مايبدو من قبل اداريين شبه متعلمين اوكلوا مهمة "تجديد" المبنى الى افراد لا يمكن باي حال من الاحوال  ان يكونوا مختصين، بل واذهب في ظني بان الذين "صمموا" واشرفوا على التنفيذ، قد لا يكونوا مهنيين محترفيين البته،ما لم تعلن الجهة المسؤولة عن اسمائهم وتدلنا عن مكاتبهم الاستشارية فيما اذا كانت لهم مكاتب. فعمارة العمل المنتج فضلا عن شعبويتها الصارخة  المبتذلة، يظل اسلوب تنفيذها ونوعيته لا يمتا، لا من قريب ولا من بعيد، الى اي من مواصفات بناء معاصر ينتمي الى القرن الواحد والعشرين!.  نحن، اذن، شهود لكارثة معمارية حقيقة وفق كل المقاييس: مقياس الجهل بالمستوى الرفيع الذي تمثله عمارة المبنى السابق؛ مقياس عدم ادراك اهمية المبنى السابق ضمن المنتج المعماري العراقي، ومقياس نوعية وممارسة اعمال التجديدات على المباني.
واظل اتساءل، كيف استطاع اؤلئك الذين "اتحفونا" بمنجزهم التصميمي، ان يشوهوا عمارة المبنى السابق الى هذا الحد من الابتذال؟؛ وان يغيروا من لغته التصميمية عالية المهنية، ويحيلوا كل ذلك الى حطام من بناء لا يستوي ان يكون مشيدا في بيئة مبنية نائية ومعزولة لا تدرك شيئا عن انجازات العمارة المعاصرة، ولا تعلم عن مقارباتها التصميمية؟. 
عندما زرت المبنى مؤخرا، اثناء سفرتي الى بلدي بعد انقطاع طويل، صعقت وانا اقف امامه مندهشا ومستفسرا: من اين "استوحى" المصمم كل هذا القدر من السذاجات المعمارية وتفاهاتها؟، كيف "اعطت يداه" – كما يقول البغداديون- القدرة على تحويل واجهة المبنى الحافلة بالمعالجات الفنية العالية والتناسب القدير الى تلك البشاعات التى تنضح بها واجهات المنشأ الجديد؟؛ ومن اين "استقى" منفذوه مواصفات عملهم الشائن؟ لماذا  لايمكن المحافظة على منجزات حضارية، يمكن لها ان تؤسس لنجاحات معمارية مقبلة نفتخر جميعا بها، وتكون مفيدة لشاغليها وتثري ذائقتنا بالحس الجميل.

معلوم ان واقعة "تجديدات" المشغل، ليست هي الاولى، وانها، كما يبدو، لن تكن الاخيرة في المشهد المعماري العراقي الراهن. ففورة التجليات الشعبوية في هذا الميدان، مابرحت "تسعفنا"  بامثلة لا تعد ولا تحصى. اذ كيف يمكن تفسير "موجة" تغليف المباني المهمة السابقة بالواح من الالمنيوم الملون بالوان صارخة، وغير متجانسة بالمرة مع طبيعة المعالجات التصميمة لتلك المباني؟ انظروا ماذا يحدث لعمارة "مبنى الدفتردار"؛ المبنى المهم والرائد في عمارة الابنية العالية بالعراق، هو الذي تم تشييده سنة 1953، وساهم في تصميمه عبد الله احسان كامل. ثمة "هجمة" فجة لقرار شعبوي تعرض لها المبنى مؤخرا، افضت الى "اكساء" واجهاته بالواح المنيومية ملونة، هشمت تماسك واجهاته واحالت هيئته الى تقسيمات لمناطق معزولة تكوينيا، من دون ان تضيف اليه اية اضافة ايجابية، والاهم هو ان تلك المداخلة  "الالمونيومية" لا تمت باية صلة لا الى عمارة المبنى ولا الى "مناخها" التصميمي. ولم تسلم عمارة مبنى مصرف الرافدين الخمسينية  المجاورة، هي الآخرى من اثار تلك الهجمة الالمونيومية الملونة، والنتيجة طبعا اتت مخيبة ومحزنة معاً. اذ تم تشويه عمارة المبنى بما لم يكن متوقعا، عبر اضافة اشرطة المونيومية ذات الوان حمراء صارخة الي واجهاته لا تنسجم بتاتاً مع الفكرة التصميمة الاصلية للمبنى الذي اعتبر شاهداً وممثلا لعمارة الخمسينات.
لكن ما يحدث الان في بعض مناطق شارع الرشيد، هو في الواقع "احتفال" صاخب لتجسيد قمة "الطفرة" اللونية. ولعل المبنى "الجديد" الذي ظهر فجأة في منطقة سيد سلطان علي، على مقربة من ساحة حافظ القاضي، هو التعبيرالمادي و"الرمزي" لها، لتلك الطفرة. فهو اضافةً الى لغته "المعمارية" الشعبوية الغاص بها، وتفاهة حلوله التصميمية وتخلفها، فان وجوده بتلك الصيغة المستفزة وعدم مراعاته لحرمة وتقاليد عمارة الشارع الجليل والتغاضي المتعمد لابسط معايير وقواعد "الاملاء الحضري" او الجهل بها، جعل منه منشأً متبجحا وغريبا عن ما يمكن ان يكون بيئة مبنية ذات سياق معماري منسجم وملزم.  والامر المحير هنا ليس "نوعية" العمارة المتحققة، فكل انسان حر في تصوّر نوعية الفعل التصميمي وقابليته في ادراك و"انتاج"  العمل المعماري، الامر المثير للحيرة حقا، هو كيف حصل ذلك "التصميم" اجازة بناء مُنحت له من قبل مؤسسات ادارية وفنية يفترض انها مؤهلة مهنيا، وعلى معرفة تامة بطبيعة الموقع وخصوصيته المعمارية والتخطيطية؟ هذا هو التساؤل الكبير ... والمشروع ايضاً!.
ان موجات التجديد والتغليف العاتية المشوهه للمنجز المعماري العراقي، والناشطة في بغداد وفي غيرها من المدن العراقية، تنال الان بفعلها الشنيع كل ما تصادفه امامها من نماذج ذلك المنجز. وفي هذا السياق تحضر التشويهات الفجة وغير المنطقية التى ادخلت قسرا على عمارة مبنى الضمان الاجتماعي في شارع الجمهورية والذي اعدّ تصميمه مكتب هشام منير في السبعينات. فبالاضافة الى ادخال اللون الاحمر الضارب الى البرتقالي (اللون الاثير لدى اصحاب القرار الشعبوي)، تم بشكل تعسفي تغيير معالجات الواجهة الى اشكال لم تخطر على بال الاستشاري من قبل. وبالتالي فان المبنى المصمم من قبل مكتب عراقي معروف ومشهود له بالكفاءة، بدا وكأن عمارته تمرين تصميمي لطالب معماري مبتدأ، مهوس بتنافر الالوان وتعوزه القدرة المهنية فضلا على افتقاره للخبرة .. والذكاء!.
وليس الحال افضل بما اصاب المبنى المصمم من قبل قحطان المدفعي في سنة 1957، والواقع في آخر شارع الرشيد من جهة باب المعظم، والذي شغلته طويلا مديرية الاشغال العسكرية، فقد لحق بعمارته انتهاك صارخ، افضى الى تغيير جذري لواجهته وبدل من هيئته السابقة. والامر ذاته يمكن ان يقال عن المبنى الذي صممه جعفر علاوي في نهاية الاربعينات، وغير بعيد عن المبنى السابق، الواقع على ساحة باب المعظم والعائد الى مصلحة نقل الركاب، فالتشويهات التى اعترته غيرت كثيرا من هيئته الاصلية ولم تقدر تلك "المداخلات" التغييرية مكانة المبنيين، كونهما قد صمما من قبل رائدي العمارة العراقية، الواجبة الصيانة والحفاظ. كما ان التغييرات التعسفية طالت ايضا مبنى كلية التحرير (كلية الملكة عالية)، في منطقة باب المعظم ذاتها،والمشيد في الثلاثينات؛ وامتدت تلك التغييرات ايضا الى مبنى " ايغور بلاتينوف" المميز والمشيد في عام  1957، الواقع في باب المعظم والمخصص الى الاقسام الداخلية.
لا يمكن للمرء الا ان يشعر بالآسى والمرارة الى ما آلت اليه احوال مبنى جامعة آل البيت السابقة في الاعظمية ببغداد والمشيد في 1922-24. بالنسبة اليّ: انا القارئ للعمارة العراقية الحديثة والمهتم بمنجزها التصميمي فان الحسرة والمرارة مضاعفة. اذ كتبت دراسات عديدة عن عمارة ذلك المبنى الرائد وعن تخطيطات الجامعة المؤسسة، كونهما اول عمل معماري وتخطيطي ضخم يصمما وينفذا في بغداد من قبل معماريين محترفيين. وبات مبنى الجامعة (الذي كان يدعى بالشعبة الدينية) منذاك، بمثابة المكان المحبب والاثير بالنسبة الىّ، ازوره دائما ومرشداً طلابي اثناء عملي الاكاديمي في بغداد، للتعرف على قيمة حلوله التكوينية والتعلم من تفاصيله المعمارية، والاهم تعقب تأثيراته القوية على مجرى تطور العمارة الحديثة بالعراق. ولا زلت اعتقد، كما كنت ارى ذلك من قبل، بالاهمية الاستثنائية التى يشغلها المبنى في تاريخ عمارة الحداثة بالعراق وفي عمارة المنطقة المجاورة. لست الوحيد الذي يرى ذلك ويعتقد به، فكثير من المثقفيين العراقيين يشاطروني الرأي ذاته، وقد كتب عن اهميته الفريدة ايضا رفعة الجادرجي ومعاذ الالوسي واحسان فتحي وغيرهم من المعماريين العراقيين.
ظل المبنى على امتداد عقود عديدة من الزمن، يؤدي وظيفته بصورة مثلى، محافظاً في الوقت ذاته، على هيكله البنائي، جراء مقاومته الذاتية الناجمة عن كفاءة الحل التصميمي، ونجاعة الاسلوب الانشائي المختار وطبيعة المواد الانشائية المستخدمة في البناء. ومن حسن الصدف ان المبنى ظل لسنيين عديدة مشغولاً اساسا بنفس طبيعة الاشغال الذي من جراءه تم تصميم المبنى، واعنى بذلك الاشغال التعليمي. لكن الامور ما لبثت ان تغيرت في مطلع التسعينات، عندما تم اختيار المبنى ليكون نواة للجامعة الاسلامية والتى تقرر تأسيسها في تلك الحقبة. وقد بدا الامر وكأن المبنى ما انفك مستمرا في اداء وظيفته التعليمية. لكن القصور في ادراك خصوصية موقعه وطبيعة فضاءاته، وربما عدم تقدير لقيمة المبنى المعمارية والتاريخية، افضت كلها الى التعاطي معه باسلوب وكأنه عليه ان "يستوعب" جميع متطلبات الجامعة حديثة التأسيس. وهو امر ادى الى اضافة طابق آخر في اعلى المبنى، كما ادى لاشغال الفضاءات المحيطة بالمبنى، و"زرعها" بابنية جديدة مستحدثة لم تراع ِ لا نوعية العمارة التى يتمتع بها المبنى القديم، ولا تتجاوب مع مقياسه.
قد يجادل المرء في صوابية قرار الاضافة: اضافة طابق اخر الى كتلة المبنى القديم بالغ الاهمية تاريخيا ومعماريا، لكنه بالتأكيد يقف عاجزا عن ايجاد مسوغات مقنعة لاستغلال الفضاءات المختلفة المحيطة بالمبنى، بالوضعية التى نراها الآن: مزدحمة جدا، ومتناقضة جدا؛ وبالتالي مؤثرة جدا بالسلب على عمارته واسلوب رؤيتها. اذ لا يمكن فهم العمارة وادراكها كونها مجرد احياز محصورة. ذلك لان الفضاءات الخالية المجاورة هي في الحقيقة تمثل جزءاً اساسياً من القرار التكويني للمبنى المصمم، والغائها او اسقاطها من التكوين العام، يفقد العمل المعماري اهم مقوماته، ويجرده من "مجاله الحيوي" الذي به يتمظهر المبنى ويثبت حضوره في الموقع.  ولهذا فان الاحساس بالحسرة والالم، قد لا تكونا كافيتين لوصف الحالة التى آل اليها واحدُ من اجمل نماذج العمارة العراقية الحديثة، والشاهد الفريد  لفترة تاريخية ومعمارية مهمة في مسار العراق الثقافي والمعماري.
ينبغي التذكير بان ظاهرة الخطاب الشعبوي الكارثية، لم تقتصر تأثيراتها، معمارياً، على فعالية التجديد والتحوير والاضافة، وانما غطت بنفوذها مجمل النشاط التصميمي الراهن، على خلفية غياب شبه تام لعمل المعماريين العراقيين المعروفين بابداعاتهم التصميمية عالية المهنية والكفاءة. لست الان في وارد الحديث عن اسباب ذلك الغياب وتداعياتة المفجعة؛ لكني ساشير، وفقا لخصوصية فحوى مقالتي، الى احد نماذج "تجليات" تلك الظاهرة.
قد يجد البعض، في ضوء التغييرات الدراماتيكية التى تعصف بالبلاد، وما يصاحبها من سطوة الارهاب العبثي المدمر، تبريراً (وحتى قبولاً) لانتشار نفوذ الظاهرة الشعبوية في مناطق محددة وربما معزولة. بيد ان المرء يجد نفسه عاجزا في تسويغ ظهور تبعات تلك الظاهرة في اكثر مناطق بغداد مدنية وتحضراً. اذ كيف يمكن ايجاد ذرائع مقنعة لنوعية " العمارة" التى تشيد الآن في شارع الرشيد، بالقرب من ساحة الرصافي، وهي من اكثر مناطق الشارع أهمية وحساسية. سوف لا اسعى وراء اقناع القارئ بالمستوى الضحل لنوعية العمارة المرئية.  فالمشاهد العادي غير الملم بمعارف عميقة عن المنتج المعماري، سيصدم لانحطاط اللغة المعمارية وسلفية مفرداتها التصميمية. ثمة ابتذال لا يتوقف عند طبيعة الحلول التكوينية لها، وانما يتعداه ليضفي "نفحاته" على اساليب الانشاء الغارقة  في تأخرها وشعبويتها، فضلا على استخدام مواد انشائية يراد بها "انتاج" ايحاءات كاذبة ومزيفة عن مواد انشائية آخرى.  ونظل نتساءل هل يمكن للمرء ان يجد مثالا آخرا بمقدوره ان يفصح ببلاغة عن طبيعة الحالة التى نتحدث عنها، اكثر من المبنى اياه ؟ والجواب– كلا، لقد اوفي، المبنى الواقع بالرشيد، واتم واجبه ..مبلغاً رسالته الشعبوية الى الجميع!.
لا يتعين ان تفهم مقالتي خارج اطار بواعثها الحقيقية، البواعث التائقة وراء ايجاد خطاب نقدي مسؤول، تكون مهمته متابعة راهن المشهد المعماري العراقي والحرص على رفع شأن هذا الراهن، مع السعى الى تقصي بدائل مهنية، بامكانها ان تخفف من وطأة وتبعات النزعة الشعبوية المهيمنة الآن على المشهد. كما يتعين، في الاخير، نزعا للالتباس، تحديد مفهوم تلك النزعة ومعناها. فـ "الشعبوية" Populist  هي غير "الشعبية" Popular . انها نزعة تمجد الابتذال، وتسخر من الحلول الجادة، وتتهكم على اصحابها. كما انها تروج لحلول تبسيطية عادة ما تكون وهمية وكاذبة، للمشاكل المعقدة التى تواجه مجتمعاتها. معمارياً، تمثل صيغة من صيغ انحطاط الذوق الفني، والاعلاء من شأن رموز شائعة ومتداولة بكثرة لدى فئات منحدرة، في الاغلب، من قاع المجتمع، والتبجح باظهارها باساليب فاضحة ومستفزة. وغالبا ما تحتفي بالصدفوية وتتقبلها على حساب العمل المهني المحترف.
ولئن ذكرنا "غيض من فيض" لتلك الاحداث الشعبوية المفجعة التى طالت بالتغيير والتحوير نماذج العمارة العراقية المميزة، او تلك الابنية التى يسمح لها بالتشييد بدون وازع مهني او رادع اداري، فان ذلك لا يعني البتة امكانية تنصل ببعض المسؤولين الذين ساهموا في رواج النزعة الشعبوية وتكريسها في المشهد. فالكل، يوما ما، سيتحمل عواقب عمله غير المهني وغير الاخلاقي. صحيح ان البلاد تمر الآن باوقات عصيبة، افضت وتفضي احيانا الى التغاضي عن بعض الممارسات، بيد ان الجميع عاجلا او آجلا سيتحمل عواقب القرارات المتخذة، ولا يمكن ان يمر كل ذلك من دون مساءلة الذين ساهموا وشاركوا واتخذوا القرار الخاطئ لحدوث مثل تلك الانتهاكات غير المسؤولة وغير الشرعية والمناقضة للمنطق والعدل ومتطلبات الفعل المعماري الحصيف.
اغلقوا رجاءً منابع الانتهاكات الآن، تـُوقفوا عن هذا الابتذال؛ وتـُوقفوا معه عن التشويه الظالم الذي وقع على العمارة.


رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  د. خالد السلطاني


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

بحث عن الكتاب


انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 


دليل الفنانيين التشكيليين

Powered by IraqiArt.com 


 

 

 
 
 

Copyright © 2007 IraqWriters.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni