... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  مقالات و حوارات

   
سرديات عن غياب الأمكنة : من متاهة السوق الى المستنصرية

لطفية الدليمي

تاريخ النشر       26/03/2011 06:00 AM


من الكرخ نعبر جسر الشهداء. نمر على انحناءاته كأننا الريح، تحيط بنا الكائنات نصف البشرية، ثمار الحروب الغضة. متسولون وباعة ساندت تكاثرهم وفرة الرعب والألغام وحفلات النار واستفحال المجاعة. في لحظة افتتاننا بأنفسنا وبأشواق القلب، نراهم كائنات لا أرضية: كسحاء ومبتورون وعمي وعصابيون، يعرضون للبيع احشاء بيوتهم وتاريخ الأهل، يعرضون الأثاث وثياب العرس ومهد الرضيع والثياب والمرايا. كل شيء معروض على الأرصفة مع السجائر وعلب الكولا وأقنعة الرجل الخفّاش وسوبرمان وقمصان المعونات الموشومة برسوم نيويوركية وأعلام بريطانية، ومعها نياشين الشجاعة وأوسمة النصر في الحروب الباطلة. أحشاء الحياة البغدادية تباع بأثمان أقلّ من نقص الحياء وأعلى من لسعة الجوع. بغتةً، تمر غمامة من النوارس البيض وتهبط الى دجلة أو تحوم فوق الجسر ثانيةً وتعيدنا الى برهة سلام وسط العدم الماحق.
سوق السرايا بيت الورّاقين الذي سكنه الحزن، لا ينتمي الى هذه المتاهة. له بداية ونهاية واستقامة. المكتبات القديمة لها اسماؤها، وباعة الأحبار وباعة الشاي والورق والكتب النادرة نعرفهم بالأسماء والكنى والعكوف على القراءة. نهاية السوق تقود من اليمين إلى شارع المتنبي والامتداد المستقيم يؤدي الى مبنى القشلة (القشلاق) العثماني بساعته الشهيرة وحدائقه وأروقته المطلة على دجلة. هل بقيت الحدائق بعد توقف ساعة القشلة ونفي الزمان؟!
كنا نعبر الزمن من سوق السرايا الى سوق الساعاتية. شيوخ عاكفون على تفكيك الوقت وزحزحة الثواني في قلوب ساعات عتيقة، ماركة "جوفيال" و"لونجين" و"زينيث" و"أولما"، يستمعون من غراموفونات عتيقة الى مقامات يوسف عمر او رشيد القندرجي او سلطانة يوسف. تثار أشواقهم فيهمهمون مع المغنّين ويتمايلون برؤوسهم التي جللها البياض. الوقت ينزلق من رعشة أصابعهم وهم يبحثون بمنظار مكبّر عن خلل الوقت الذي لا يرى بل نحسّه يهفهف كجناح كسير، في حين أن الوقت يهرب من سجن الساعات ليطوف كيمامة مخوّفة فوق المآذن والجسور وزوارق دجلة. لا نلتفت إلى الوقت فقد تساوت لدينا ساعة اليأس مع لحظة النجاة المستحيلة.
تتواشج في المكان نفسه، الذي له سيماء عباسية وعثمانية، حرف يدوية وصناعات تكاد تندثر في هجمة الصين على تراث العالم. منذ الف سنة تتجاور الصناعات الحرفية وتتعايش على قارعة الدهور: صنّاع الجلود المهرة الذين يُعرفون بـ"السّراجين"، يعرضون سروج الخيل المزركشة والمداسات، ويشتغلون بالمخصف على الأخفاف والأنطقة وسيور اللجم والسياط ومظلات عربات الخيول ومحافظ النقود. خيّاطو العباءات يطرّزون بخيوط الذهب سطور الترف على حواف العباءات التي من نسيج الصوف الشفّاف شبيه الموسلين الموصلي، نسيج من صنع نسّاجي النجف البارعين. بعدهم يباغتنا في دكاكين صغيرة شبّان من مجلّدي الكتب الثمينة، يضعون للكتب أعقابا مذهبة ويرسمون حروفاً من وهج وفضة، ويستخدمون الأصماغ بخلطات سحرية ورثوها من ورّاقين عباسيين لم يهملوا تدوين عناصرها ومقاديرها في المخطوطات. لم يتبقّ من هؤلاء واولئك سوى ظلالهم فوق الجدران التي ثقبها الرصاص.
نعبر من نفق تحت أرضي إلى متاهة الأسواق الكبيرة، وندع دجلة ونوارسه وصياديه واشباح المنتحرين من فوق جسوره وراءنا. قلب بغداد مشطور بصدع نهري، ترى في ما تبقّى من ضفافه اشجار صفصاف وبعض سدر ونخيل واكثر من عشرة جسور تحاول رأب الصدع بين الضفتين، ولا تكفّ الزوارق عن محاولة مماثلة. هناك عند جرف الصدع الابدي في الرصافة، تتخفى متاهة التجارة شبيهة أحشاء وحش أو طريق ملغز وسط غابة بشر ومال وغوايات. لا بد لنا لكي نبلغ المستنصرية من أن نجتاز المتاهة. ندخل سوقاً فيقودنا إلى تفرعات المتاهة. سوق يفضي إلى آخر فآخر، وتغوينا بهرجات السلع الزائفة وأشذاء البخور، وتستفز اختلاج الرغبات فينا روائح الشواء من المطاعم الصغيرة تهيج لسعة جوع الحمّالين وحائكات المكانس وبائعات التعاويذ المدقعات. تجار مترفون وعبارات من قاموس الصفقة يساومون بها على بضاعة رخيصة من صنع الصين او إيران. الكل يحاول خداع الكل او الفوز عليه، وتنتهي الصفقة والتاجر يقسم بأسماء الله الحسنى والانبياء والشفعاء على خسارته فيها.
باعة المسابح التي من كهرمان وسندلوس وعقيق وفيروز، يعرضون بضاعتهم مع عقود الفضة والخواتم المزدانة بالاحجار من يشب وعقيق ودرر ويواقيت. على مبعدة خطوات كانت تغوينا الفضيات التي أبدعها صابئة البصرة وميسان وبغداد، يعرضون نخيلا فضيا مثقلا بأعذاق التمور، مرقشا بالمينا والفيروز، وتحت النخلة يقعي أسد بابل أو يقف إزاء النهر يحدق في زورق له شراع مرصع وملاّح يحرّك المجاذيف في لجة الزمن. يعرضون أيضا طاسات مخرّمة للحلوى، وطاسات مطوّقة بعبارات العشق تُستخدم لحمّام العروس قبل زفافها وتغتسل بماء مر على فضة مطلسمة. قلائد معززة بالمرجان والعقيق، خواتم برؤوس أسود وأساور رقيقة مضفورة بخيوط الفضة، مبرومة كأفاعٍ، عيونها ياقوت أحمر تلتف على ذراع بضة لحسناء من رصافة بغداد أو من أعظميتها. أساور الذراع يسمّونها "الزنادي"، تزدهي على الزنود الرخصة ببريق الذهب والياقوت، توقظ شهوات العاشقين عندما تطوق سواعد السيدات المنعمات ترفا وسمنة. كؤوس شاي محفورة بموتيفات من أساطير سومر أو صور لجوارٍ راقصات وعازفات. نخرج من السوق إلى شارع الرشيد وساحة الرصافي حتى نبلغ مدخل سوق الصفافير. هو سوق النحاس وصانع النحاس يسمّى صفّاراً، والصِفْر هو النحاس بالعامية العراقية. نحاس مطروق ومنقوش بأبيات من الشعر او بمشاهد بغدادية وسومرية ومجالس أنس الخلفاء، وأطباق وصوانٍ حافلة براقصات بابليات يلوحن للربة إينانا في أعالي الليل. تصمّ أسماعنا دقات مطارق الصفارين المنغمة. معزوفة دامت أكثر من الف عام في هذا السوق تخفت الآن وتتلاشى في ضجة الانفجارات. نغادر إلى سوق دانيال وسوق البزازين. هنا كان يباع الحرير والخز والعباءات ولفاعات النساء الحريرية المنسوجة من القز بأيدي نسّاجي الكاظمية. وهؤلاء يشترون شلل الحرير المغزول من القرويات اللاتي يربّين دود القز في قرى بعقوبة وسط بساتين النخل والتوت والبرتقال، ومن تلك الخيوط العاجية اللون ينسجون فوط القز وشالات الحرير. كنا نشتري هدايانا الى أصدقائنا من هنا: بُسُط السماوة والنجف وواسط. كل بساط له موتيفات وألوان يُعرف بها وتُجمع كلها على استخدام النسبة الذهبية للمربّع الهندسي. لم نعد نجد الا عتمة السوق وبقايا بسط مقلدة ربما صنعتها الصين في مدينة كانتون. نصل الى خان جغان، حيث مجموعة من الخانات العثمانية والعباسية لمسافري طريق الحرير وطريق التوابل، ونبلغ الزقاق العباسي الذي يشمخ فيه باب المستنصرية. نستعيد انفاسنا اللاهثة أمام روعة الباب. خشبه ساج محفور بالأرابيسك، مثمنات وتوريقاتٍ ونجوما ومربعات وأطباقا نجمية. كتابات ملغزة منحوتة في الآجر فوق الباب، وتحت القوسين بخط الثلث على أرضية نباتية مزهرة مختومة باسم من شيّد المبنى "سيدنا ومولانا إمام المسلمين وخليفة رب العالمين".
قبل الاحتلال كنا انا وصديقتي الرسامة (هاء) نزور المدرسة المستنصرية مرارا، ننأى بأنفسنا عن القرن الدموي ونلج اضطراب القرن السابع الهجري الى المدرسة الجامعة التي بناها المستنصر بالله العباسي سنة 631 هجرية في بغداد العباسية. نيات المغول وروائح خيولهم تهبّ علينا من كل ثغرة ونحن نوغل في التباسنا بالزمن، وتأخذنا ريبة الخائف من زوال الوجود، والمدينة تتقوض بطريقة غير مرئية. نجلس في صحنها الواسع المعزول عن مدينة الرعب وأهوال الحروب والتباس المعاني. كلٌّ منا تنطوي على صمتها ووحشة الروح. أكتب وترسم (هاء) تخطيطاتها بالحبر الصيني، أحواض البنفسج تدور حول فسائل النخل وشجرة السدر الحزينة. أقطف براعم البنفسج العطرة فيطير بي الشذا إلى عصر منصور بن الظاهر الذي سمّى ابنه جعفرا تشبهاً بأبي جعفر المنصور ولم يكتف بهذا بل لقّب نفسه المستنصر بالله خليفة الله في المسلمين، وقيل في حسن منظره وبهاء وجهه: "كأن الثريا علقت في جبينه وفي خده الشعري وفي وجهه القمر". أتخيل الرجل عائما في غمامة عطر والجواري يراقصن أهواءه في مطلع الضحى.
نطوف طوافنا المعتاد في الفناء الكبير وحديقته الصغيرة ونافورته العاطلة في حج روحاني، نجلس على درجة في الرواق الطويل الذي تزيّن سقفه المعقود مقرنصات تولد أشكالا من ظلال وتضاريس، الأروقة تفضي إلى صوامع مفردة وغرف لتلاميذ الفقه ودارسي المذاهب وطلاب الطب والفلك. أكتب، وترسم صديقتي روح المكان الذي تداولته الحروب ومعارك السلاّبين والغاصبين.
نوغل في فلك المدرسة العظيمة التي كانت تدرّس الفقه والفلك والطب والهندسة والفلسفة والصيدلة، ولها مناهج ونظام تدريس مبتكر واساتذة أفذاذ ممن برعوا في التأليف والتصنيف والعلوم، بينهم الفيلسوف والطبيب. وكانت اول جامعة تبيح التدريس للضرير وكان الشيخ الخيلي عبد الرحمن بن عمر أول مدرّس ضرير في جامعة عالمية وكانت تخصص 62 دارسا لكل مذهب من المذاهب الأربعة يتبادلون المواقع في مسعى للتقريب بين المذاهب وتداول الأفكار والاجتهادات بين الدارسين ليحل السلام بين اهل البلاد.
فخاخ السلطة تتغير لكنها تبقى متربصة بنا في كل عصر، والحارس وجه واحد من وجوهها، يرقب زياراتنا المشبوهة للمدرسة: امرأتان تعاودان الحضور بين حين وحين، لعلهما تنويان شرا او أنهما مخبولتان، فماذا تجد هاتان المرأتان في مبنى عتيق مهجور والنساء غيرهن يرتعن في مباهج السوق؟ الرجل شبيه المومياء يلاحقنا بنظره وظنونه، له رأس طائر هرم متحلل لفرط عطالة القلب ويباس الروح.
للحارس في مثل هذه المواقع غمد من الصلف يمنحه سلطة الايقاع بمن يشاء، أصابعه المعقوفة تغزل خرافة وجوده، لا وظيفة له سوى ارتشاف الكلمات وملاحقة الاصوات عبر الكوى والابواب وتحويلها براهين إدانة وأدلة عن العابرين والزائرين المشبوهين، وهو صائد صدى، وعلى ما يشير رسوخه الزائف، غير واع لتحلله في الفراغ التاريخي الذي يحدث صدعا بين حاضر المدينة الموغلة في العدم وبين مدرستها العريقة المتحاملة على جراحها.
الصباح ينسج تحايا الزوار النادرين مع زقزقات الطيور المعششة في زوايا السقوف. السنونو واليمام والبلابل تلوذ بأمان المدرسة من عدائية السوق ورعب المدينة، والرجل مهموم بامتصاص الكلمات مع التبغ لترقد الابجديات في جوفه مع ذكرياته واحزانه وشهواته المماتة. وظيفة الحارس: صد السؤال وقنص النيات.

الساعة الأعجوبة

في صدر الإيوان الرئيسي، وضع المشرفون تخطيطا بدائيا للساعة العجيبة التي شغلت أهل عصرها والعصور اللاحقة، وتحتها كتبوا على لوح ازرق وصفاً للساعة تتخلله أغلاط إملائية ونحوية، جهلة معاصرون يديرون دار علم وجامعة معارف ويحتقرون الزمن. كان هنا في صدر الإيوان صندوق الساعة العجيبة التي ابتكرها وصنعها نور الدين علي بن تغلب الساعاتي، وهو الذي كان يتولى العناية بها لتكون وحيدة الدهر، تُعرف بها أوقات الصلوات والدروس وسطوع النجوم ودورات الحياة، والصندوق دائرة متقنة، فيها صورة من لازورد للسماء، جعل فيها مهندس الوقت طاقات لطيفة الصنعة بعدد ساعات اليوم، لها أبواب رقيقة. وفي طرفي الدائرة طائرا باز من ذهب في طاستين ذهبيتين يحرسان الزمن ويبددانه كأنهما حارسا الفردوس والجحيم، ووراءهما بندقتان من برونز لا يدركهما الناظر، فعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازين وتقع منهما البندقتان، وكلما سقطت بندقة في الطاسة انفتح باب من ابواب تلك الطاقات. الباب مذهب فيصير حينئذ مفضضا وتمضي ساعة زمانية ليتحول ذهب الوقت الضائع فضةً. حكمة عتيقة عن ضياع الزمن. واذا وقعت البندقتان في الطاستين فإنهما تذهبان إلى موضعهما تلقائيا ثم تطلع شموس من ذهب في سماء لازوردية مع طلوع الشمس الحقيقية. وتدور مع دورانها طوال النهار، وتغيب مع غيابه، فإذا غربت وجاء الليل، فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها، كلما تكاملت ساعة من ساعات الليل تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر. ثم تبتدئ في الدائرة الاخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس، فيعلم بذلك اوقات الحياة والصلاة، ولكن لم يعلم احد بما يخبئ الغد من كوارث للجامعة العتيدة.

متواليات الأقواس

يتعزز حضور المبنى لحظة افلاته من المدى التاريخي حول نواة ضوئية تتكاثر في الرواق العجيب وتستقطب التوالي الايقاعي للأقواس المعقودة والأواوين التي تتقاطع قمم أقواسها مع واقعية الجدران المرقشة. وفي تلك اللحظة يكون ارتطام ماء دجلة بالمسناة الحجرية وراء المستنصرية موسيقى هادرة تطوق المبنى ويستدرجنا لملاحقة التبدلات المائية والضوئية وتموجات الظلال وضوء الشمس وارتحالات السحب فوقنا، بينما المدينة التي تتقوض بصمت، ترقد في قاع العدم وتتخمر منازلها واحياؤها على أهبة التحلل في الغروب الوشيك.
يعاد تشكل المبنى كل برهة بفعل الضوء الذي يغمر الفراغات ونقوش الآجر والمقرنصات. يبدو مختلفا بين لحظة وأخرى مع انعكاسات ضوء الشمس. الجدران والأقواس والكوى والمعتكفات تقاوم في وحدتها وتآلفها، خسة السوق الضاج وراء الباب، وتقاوم فضائحية أحداثه وغش الباعة وحيل البشر وأكاذيب المنادين الجوالين والمساومات والصفقات. ويحتضن المبنى الداخلي المكتفي بجلاله العباسي أشواقنا للضوء ويعيد بتحولات الظلال ومساقط النور رعشة الجمال في قلوبنا ويكتمل كونا مستقلا مترسخا في الارض ومتوحدا مع الفضاء الأعلى.
خارج مبنى المستنصرية كان الكائن البشري الذي تطور خلال حقب الزمان، ينمسخ كائناً وسطاً بين الانسان والضواري ويحتل شوارع المدينة وطرقها استعدادا للانقضاض على الغنائم.
حال دخول المرء الى مبنى المستنصرية، يفلت القلب من قانون الضواري ويذوب رقيقا في عدم التاريخ الفراغي. يتكثف وجوده بين النقوش التي تقترح خرائط لجذور وغيوم توثق العلاقة بين الأعالي والأعماق، وتعوض عن امتزاج الإنساني والحيواني خارج المبنى. يتشكل ما بين الغيمة والجذر فراغ مزحوم بشذرات الغيوم ودموع التلامذة المغتربين في معتكفاتهم يوم كانوا يتحاورون ويجادلون في الخلق والإبتداء، فيغدو كل شيء تجسداعرضيا للجمال الكامن في لب المبنى.
تهبّ من المبنى العريق أصداء الجدال الفقهي وحوارات الفلكيين ونستمع الى كشوفات العلماء التي يقوم عليها قياس الوجود وتتحول المدرسة بيننا حضوراً شمسياً، شبيه ساعتها السحرية، لترجئ هبوب المغول الجدد على أيامنا. تحتفي بنا أروقة المبنى كما كانت الصوامع تحتفي بتوحد الدارسين، وتوقظ العقل على أسئلة الوجود وتجترح الحجة والبرهان، بينما أصابعنا تتلون بحبر الزعفران ونحن ذاهلون إزاء عبقرية العمارة التي ضمنت رسوخ الفرد في فرديته، ومنحته معتزلات صومعية يرقب في سكونها تحولات العالم وكشوفات العقل.
لا صوت يتسرب من كيان المدينة المتحلل في الخوف والمجاعة. لا شيء يتسلل الى المبنى، فالمكان محمي ومرصود لأبهة الهدوء الملكي. لا ضجة مهما عظمت، في وسعها التسلل عبر الجدران العريضة والصوامع، لكأن الموقع هوّة تبتلع الأصوات وترسخ المصائر اللامرئية.
ننسى لبرهة انسحار، فواجع بغداد وانهياراتها ونحن نتيه في مركز العالم القديم الذي تتجلى فيه بغداد مغايرة، مدينة منسوجة من المعارف والنبوءات والسحر وحسابات الافلاك وانكسارات الضوء بينما تحوم على أدنى أبوابها همهمات المغول.
حين ضربت نيران المارينز والقوات المتحالفة بوابات بغداد وتهاوى التاريخ على برك الدم والرماد، نُهبت المدينة وأُحرقت مبانيها تباعاً، ودُمّرت مكتباتها، واحتل اللصوص والعصابات المنظمة مبنى المدرسة المستنصرية، وخزنوا في صوامع العلم وحجرات تلامذة الحديث وحجرات الجدال الفقهي مسروقاتهم من أجهزة مكاتب الدولة المستباحة، ولبثوا فيها شهورا يديرون عمليات النهب المنظم والاختطاف ويخفون المخطوفين في بعض الصوامع. استنجد بعض موظفي المبنى ببعض العسكر وتجار السوق العارفين بتاريخ المبنى وممراته وأروقته، وجرت معارك مع اللصوص والخاطفين وحرروا الاطفال والبنات المخطوفات وانتهت المعركة بهربهم واستعيدت المدرسة التي نالها من الخراب ما نال المدينة المتلاشية في العدم.

الطحالب براعة التفاهة

كانت الشمس تبدل أهواءها فوق المدينة ويتلقى فناء المدرسة عطاياها بمقادير ضوء تتيح للطحالب الخضراء ان تتسرطن على بقع متفاوتة فوق الآجر الذي يبلط الفناء. الآجر الذي خان صلابته، سمح للطحالب بأن تتكاثر عليه وتعلن غلبة التفاهة على صلابته. يمد الطحلب زوائده في مديات الأرض، يستكشف أيّ النباتات يمكنه امتصاص نسغها، فيزحف نحوها ببراءة زائفة ويكسو نضح الوحل مقلداً شجرة فاجرة او عشوائية بأذرعه المتطاولة. ينمو الطحلب التافه في موضع البنفسج أو يلتف حول الشوك المقدس. الطبيعة تماثلنا، فلها هفواتها وانحرافاتها. لا يتأكد وجود الطحلب إلا بضعف البنفسج وتهاونه، فيعوم في الفراغات لكنه يبقى مجرد لطخة تدافع عن تفاهتها ببراعات ماكرة لها تمظهرات نبات رقيق تخدع البنفسج المسترخي في أبهته. يؤكد الطحلب ضرورة كل وجود مهما اختلفنا في تقويمه، فضرورة الزائل تبقى لا الزائل بذاته.
حين أعود الى المكان بعد أسبوعين أجد البنفسج حرا من تطفل الطحلب. جفّت الطحالب على البلاط وانتهت الى غبار أخضر، بينما تفتحت نورات البنفسج في ضحى الخريف والتمعت وسط الأحواض الغدقة. يقال إن الطحالب استولت اليوم على الجدران والصوامع والعشب البري في فناء المستنصرية.
وسط أرج البنفسج وسطوع الضحى، ترسم (هاء) ظاهرة السكون في مبنى المستنصرية، ترسم السماء المقببة فوقنا كأنها خباء مقوس. اكتشف انها سجنت أحد ظلالي ورسمتني بين صمت المبنى والقبة العلوية وخبأته في أوراقها وخطوطها. اكتب نصا غائما عن الحب والعدم وزوال الطحلب العابر وحقيقة البنفسج العباسي. نخبئ محبرة الحبر الصيني التي ترسم بها تخطيطاتها في التراب الندي لحديقة البنفسج، نودع الحبر بين الشذى والسكون الدهري حتى نعود ثانية ونتظاهر بالبحث عن كنزنا المخبوء في التراب. نغادر القرن السابع الهجري لنكابد المرور في المدينة المتلاشية منحدرتين على جرف دجلة الى المرسى النهري لنعبر النهر في زورق مع مسافرين مائيين، مع عشاق هاربين من فضول البشر وبعد هرب موقت في جنة الماء ودعابات الموج واستدعاء حكايات من "الف ليلة وليلة" ومجون شعراء بغداد وسمّارها. نبلغ المرسى تحت مبنى السفارة البريطانية القديم، نهبط من الزورق، تتبع خطانا رائحة السمك تفوح من سوق "الشواكة"، والصيادون ينادون على سمك الشبوط والبُني والقطان، والنسوة يساومن ويتضاحكن، والدكاكين تتزيا بشباك الصيد والصنارات وطوافات الفلين، وتطردنا الروائح والصفقات الى شارع حيفا في اتجاه متحف الفن العراقي الذي نهب بعد الاحتلال وباع اللصوص نفائسه ما بين سوق الشواكة وصالات الرصافة ومقاهي الكرخ، وتسربت معظم الكنوز الى بلدان تتربص بانكسارات التاريخ لتؤسس تاريخها على فواجعنا .


رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  لطفية الدليمي


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

بحث عن الكتاب


انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 


دليل الفنانيين التشكيليين

Powered by IraqiArt.com 


 

 

 
 
 

Copyright © 2007 IraqWriters.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni