... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  قضايا

   
في أكوام القمامة.. رضع مجهولون في الموصل

صالح الياس

تاريخ النشر       08/07/2011 06:00 AM


نقاش |
لم يصدّق ضابط شرطة أن اللقيطة التي تركت في مكب للنفايات يومين كاملين ستبقى على قيد الحياة، إلا حينما رآها بعد أيام في دار الأيتام حيث يودع مجهولو النسب.
النقيب شامل شيت المنتسب إلى مركز شرطة المأمون جنوب الموصل، أبلغ قبل أيام بوجود حقيبة سوداء في حاوية نفايات وسط الحي يشتبه بأنها مفخخة.
"توجهنا فورا إلى المكان وكانت بالفعل موضع شك وأوشكنا أن نطلق النار عليها لتفجيرها، ولكن المفاجأة في الأمر أننا عثرنا بداخلها على طفلة حديثة الولادة، كانت بين حياة وموت، فأسرعنا وسلمناها إلى مستشفى البتول" يقول.
 
أطلق على الطفلة فيما بعد اسم "أمل"، إلا الضابط ما زال يسميها "ابنة الحقيبة"، لافتا إلى أن تلك الحادثة، ليست الأولى أو الأخيرة في مدينة الموصل، فالظاهرة باتت تلفت انتباه المعنيين بعد انتشارها بوتيرة متصاعدة في النصف المنصرم من العام الحالي.
 
وزارتا العمل والشؤون الاجتماعية وحقوق الإنسان، استحدثتا في نيسان (أبريل) 2009 جناحا خاصا باللقطاء في دار الزهور للأيتام، "لعجز حاضنات المستشفيات عن استيعابهم فضلا عن تكرار حالات تسريبهم إلى أشخاص ذوي دوافع متباينة أخطرها المتاجرة بهم أو بأعضائهم"، حسبما تقول أمل حمدون مديرة الدار.
 
يضم هذا الجناح المستحدث 25 سريرا، مخصصا لاستقبال مجهولي النسب بناء على قرار قضائي. وتقول مديرة الدار لـ "نقاش" إنه "استقبل منذ افتتاح ما يناهز 60 طفلا، وقد امتلئ بالكامل مؤخرا، رغم أننا نسلمهم باستمرار لطالبي الضم بناء على قرار المحكمة".
 
وتشير إلى "أن جميع اللقطاء الذي تحتضنهم الدار، سالمون عقليا وجسديا ويتمتعون بصحة جيدة إذ لم تحدث أية حالة وفاة فيما بينهم".
 
وبالمقارنة مع بلد مجاور كالأردن، يناهز عدد سكانه الستة ملايين ونصف المليون نسمة، أي ثلاثة أضعاف عدد سكان الموصل، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية الأردنية استقبلت 36 طفلا لقيطا في عام 2008 و28 في العام 2007.
 
وبحسب رغد عبد العزيز، الباحثة الاجتماعية في دار الأيتام، فإن مستشفيات الولادة كانت في الأعوام الماضية مكانا تقليديا يرمى فيها المواليد غير المرغوب بهم، لكن "تشديد إجراءات المراقبة في المستشفيات في الأشهر القليلة الماضية، جعل من الشوارع ومجمع النفايات ملجأً لمن يريد التخلص من مولوده".
 
وتلفت الباحثة إلى "أن كل اللقطاء الذين تسلمتهم الدار منذ حوالي ثلاثة أشهر، وجدوا على قارعة طريق أو في أكوام قمامة، بعضهم أمضى فيها ساعات طويلة مما أدى إلى تدهور حالته الصحية، وآخرون كانوا ضحية افتراس الكلاب السائبة".
 
وتعزو عبد العزيز هذه الظاهرة إلى أسباب كثيرة منها العلاقات خارج إطار الزواج والزواج السري والاغتصاب وقبل كل شي؛ الفقر، بينما أرجعت قسما منها إلى تهديد الزوجة بالطلاق إن هي أنجبت بنتاً بعد عديدات.
 
وبحسب مديرة الدار أمل حمدون، "فإن نسبة الذكور إلى الإناث تكاد تكون متساوية، مما يرجح ألا تكون أسباب التخلص منهم كونهم فقط من الإناث".
 
ويتيح القضاء العراقي للّقطاء الذين يصبحون في عهدة الدولة، مستقبلا أفضل يحميهم من الانحراف والعصابات الإجرامية، وذلك عبر آلية محددة تسمح للأزواج العقيمين "ضم" الأطفال مجهولي النسب.
 
القانون العراقي يفرق بين حالة الضم تلك وبين التبني، إذ أن الأخير محرم في الشريعة الإسلامية ومحظور قانونيا. وفي حالة الضم، ينسب الطفل إلى العائلة الجديدة على بطاقته الشخصية وأوراقه الرسمية، لكن السلطات الادارية تبقى محتفظة بملف خاص يشير إلى مجهولية نسبه.
 
من جهتها، عممت محكمة الأحداث على مراكز الشرطة في المدينة، ضرورة تسليم اي لقيط الى المستشفيات فدار رعاية الأيتام، بأسرع وقت، ثم يتولى قاضي التحقيق التحري عن نسبه، وإحالة قضيته إلى المحكمة لاختيار العائلة المناسبة لتربيته.
 
ويقول الباحث الاجتماعي في محكمة أحداث نينوى بشار خلف هلال وهو عضو لجنة ضم مجهولي النسب، "بعد الاطلاع على الوضع الاجتماعي والمعيشي للعوائل طالبة الضم، نختار أكثرها ملائمة للطفل وفق شروط أهمها أن يكون الزوجان عراقيين، عقيمين، ومضى على زواجهما ما لا يقل عن خمس سنوات، كما يجب على العائلة توريث الطفل جزءً من أموالها، فيما يبقى الطفل تحت إشراف اللجنة ستة أشهر قبل ان تصادق المحكمة نهائيا على قرار الضم".
 
وتشهد فكرة ضم اللقطاء تقبلا لدى أهالي المدينة، ويقول خلف "إن بعض العوائل مضى على انتظارها نحو سنتين ولم تنل مبتغاها بعد".
 
ويستشهد بأمثلة كثيرة تدلل على نجاعة هذه التجربة، مستعينا في تعزيز رأيه بـ "أبي حسام" الجالس أمامه، والذي تبنى طفلا بعمر خمسة أشهر بعدما عجز عن الإنجاب سنوات عدة.
 
أبو حسام (كما يحب أن يكنى)، كان قد تولى تربية طفله منذ ثلاثة أعوام، ويحمد الله باستمرار كلما تحدث عن الفرق الذي أحدثه هذا الطفل في حياة العائلة الصغيرة.
 
لكن ومن جهة أخرى، يقر الرجل بصعوبات قد يواجهها الطفل حينما يكبر: "فالمجتمع هنا عشائري يتفاخر بالأنساب والأصول، وقد يعيّره البعض بأنه لقيط أو ابن زنا".
 
لذلك قرر أبو حسام وزوجه عدم إعلام ابنهما بحقيقة نسبه إلى أن يكبر "خشية أن يسفر ذلك عن عواقب غير محمودة في شخصيته"، وفق تعبيره.
 
أما البحث عن إحصائية حقيقية لأعداد اللقطاء في مدينة مترامية الأطراف وثاني اكبر المدن العراقية كثافة سكانية بعد العاصمة بغداد، فتبدو مهمة مستحيلة على الأقل في ظل الظروف الآنية، حيث ان الدوائر المعنية والحكومة المحلية لا تتوفر لديها معلومات دقيقة عن ذلك، وفق ما ذكرت لمياء الدباغ رئيس لجنة المرأة والطفل في مجلس المحافظة.
فالأرقام التي تعطيها دار الأيتام تقابلها أخرى غير معلومة، لأطفال يتم تسريبهم عبر مراكز الشرطة والمستشفيات وغيرها، لصالح جهات مجهولة قد تكون عصابات تستغلهم في التسول والدعارة والسرقة، أو المتاجرة بأعضائهم.
طفل من بين عديدين يعثر عليهم شهريا، ألقت به امرأة ثلاثينية في سوق باب الطوب وسط المدينة، قبل أن تتوارى عن الأنظار، فأخبر احد الباعة عناصر الأمن الذين جلبوه إلى مركز الشرطة القريب.
بعد اقل من ربع ساعة، خرج شخص بزي مدني من مركز الشرطة حاملا الطفل إلى مستقبل مجهول، إذ لم يصل المستشفى ولم يودع لدى دار الأيتام بعد التأكد من مسؤولين فيها. هذه القصة دونها مراسل "نقاش" في مفكرته أثناء إعداد هذا التحقيق، كشهادة عيانية له على الحادثة. 

رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  صالح الياس


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

بحث عن الكتاب


انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 


دليل الفنانيين التشكيليين

Powered by IraqiArt.com 


 

 

 
 
 

Copyright © 2007 IraqWriters.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni