... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  مقالات و حوارات

   
حول شرعيـة الفـن الاخلاقيـة

د. مصدق الحبيب

تاريخ النشر       09/08/2007 06:00 AM


* يبدو ان لدينا نوعان من الاخلاقية: ان ننصح بمالانطبق، ونطبق ما لا ننصح به.

برتراند رسل(1872-1970)

* اذا كنا ندعي خدمة المعرفة، علينا ان نكون احرارا في اتباع ماتهدي المعرفة اليه. والعقل الخلاق الحر لايمكن ان يعامل كالكلب المسعور النابح الذي يحتاج ان يوثق بسلسة لكبح جماحه.

عدلي ستيفنسن، مرشح الرئاسة الامريكية الديمقراطي لعامي 1952 و1956

_____________________________________________________

 

أخلاقية الفـن وقيـم المجتمع:

 

يدور النقاش في هذا المجال حول دور الفن في المجتمع من الناحية الاخلاقية. فاذا سلمنا بان الفن هو التعبير الشخصي للفنان عما يراه وعما يجول في ذهنه، وان هذا التعبير سيتجسد على شكل نتاج فني يطرح امام المجتمع، ستبدر الى الذهن اسئلة كثيرة وملحة من قبيل:

- هل سيترك ذلك النتاج تأثيرا ايجابيا ام سلبيا على المجتمع؟

- هل من واجب الفنان ان يقصر تعبيره عن الاشياء على ما سيكون له تأثير ايجابي فقط على المجتمع ؟

- هل سيكون تقدير هذا التاثير الايجابي بيد الفنان ام بايادي اخرى؟

- هل سيعني مثل هذا الاقتصار على التأثيرات الايجابية بان المجتمع سيغض النظر عن سلبياته؟

- هل من حق المتلقي ألا يتوقع إلا المردودات الايجابية للفن؟

- هل من حق المجتمع في عقله وضميره الجمعي ان يحاسب الفنان اذا كان لفنه مردود سلبي؟

- من ذا الذي سيمثل هذا العقل والضمير الجمعي؟

- هل من الحكمة ان يسمح المجتمع للسلطة السائدة ان تمثل عقله وضميره الجمعيين؟

- وماذا اذا كانت تلك السلطة ظلامية جاهلة، او استبدادية متوحشة، او شوفينية متعصبة؟

- هل بامكان المجتمع ان يختار من يمثل عقله وضميره الجمعي بغض النظر عن مشيئة السلطة السائدة؟

وقبل كل تلك الاسئلة علينا ان نسأل السؤال المحوري وهو: هل هناك اي اثبات علمي لايقبل الجدل بان للفن دوراً قوياً في تقويم المجتمع او افساده، اعتمادا على جودة الفن او ردائته؟ الحقيقة الساطعة هي ان الاجابة الشافية على هذا السؤال وبالتالي على الاسئلة السابقة لم تتم بعد! وليس من السهل بمكان فض هذا الموضوع العويص الذي يعود بنا الى المربع الاول الذي هو: علينا اولا ان نعرف كيف يتم حساب قيمة الفن بين طرفيها السلبي والايجابي؟ وعلينا ايضا ان نحدد بشكل تطبيقي طبيعة التأثيرات التي تتركها حصيلة الفن، الايجابية او السلبية، على المجتمع.

 

هناك زاويتا نظر فلسفيتان متعارضتان لقيمة الفن وعلاقتها بشرعيته الاخلاقية:

 

زاوية النظرالاخلاقية: التي تقر بضرورة استناد تقييم الفن على الاعتبارات الاخلاقية وتعير كثيراً من الاهتمام الى المعنى الذي يقصده الفنان، والانطباع الذي يتولد لدى المتلقي ازاء العمل الفني ، وبالتالي الرسالة التي يحملها الفن للمجتمع ككل: مالذي يريد الفن قوله، ومن اي منطلق، ولصالح من، وماهي التأثيرات الاجتماعية المتوقعة لذلك الفن. من اقطاب هذا الاتجاه اولئك الذين يؤمنون بالفلسفة التولستوية الذين يرون ان تولستوي انما وضع رسالة الفن الاجتماعية فوق كل شئ. ومن اقطابه ايضا بيير بوردو وروجر تيلر.

 

زاوية النظر الجمالية: التي لاتقر بضرورة استناد تقييم الفن على الاعتبارات الاخلاقية ولاترى اي ضرورة في ربط قيمة الفن بالمعنى المقصود، الظاهر والخفي، انما ترى في الفن تعبيرا شخصيا حرا للفنان ليس بالضرورة ان يخضع في تقييمه لاية اعتبارات اخرى سوى الاعتبار الجمالي. من اقطاب هذا الاتجاه ريتشارد بوزنر الذي يعتقد بان النظرة الاخلاقية تعتمد على السطحية الفكرية والتي تشترط "المنهج السببي" و"المنهج العواقبي" في تحليلها لتتابع الظواهر الاجتماعية من دون اثباتها ببراهين تجريبية. ففي بحثه الموسوم "ضد التقييم الاخلاقي: ادب وفلسفة" المنشور عام 1997 يؤكد بوزنر على ان الموقف الاخلاقي الحقيقي هو الموقف الجمالي الذي يركز على فردانية التعبير الفني الشخصي ويعول على حرية القرار الخاص، ليس فقط بالنسبة للفنان انما للاخرين ايضا، الامر الذي يتضمن القدر الاعظم من نفاذ البصيرة والتسامح وتقدير الاختلافات، وليس هناك التزام اخلاقي اكثر من ذلك.

 

لابد لنا هنا من ذكر الفرق بين الموقف المتطرف والموقف المعتدل في الفلسفتين. فالاخلاقية المتطرفة لاتدع اي مجال للمعيار الجمالي في التقييم الفني بل تعتقد ان منبع القيمة الجمالية هي القيمة الاخلاقية. وبالمقابل فان الجمالية المتطرفة تنكر بالمرة اي حاجة للمعيار الاخلاقي لسبب جوهري هو ان كلا القيمتين ذاتيتان وليس من الحكمة زعم الموضوعية في علاقتهما أوحشرهما بروابط سببية يتعذر اثباتها عمليا. يذهب هذا الاتجاه الى مدى ابعد فيعتبر التيار الاخلاقي عاملا في خفض قيمة الفن الى درك الخطاب السياسي او التقرير الحزبي المفعمين بالدعائية والترويج. أما الموقف المعتدل فهو الذي لاينكر الجانب الاخر بالمرة انما يقر بمحدودية وجوده. تقوم هذه النظرة التوافقية الوسيطة على قبول امكانية وجود اعمال فنية، لاسيما تلك التي تتميز بطبيعتها السردية، التي تحتمل التحليلات القائمة على التقييم الاخلاقي، الا ان هذا الاتجاه يعترف بمحدودية هذه الحالات اولا، ويستبعد ادعاءات التأثير السلبي لها، أما تحفظا، أوخشية مما قد تجره من عواقب تنشيط الدعوة الى الرقابة والتدخل الحكومي او السلطوي. من ذلك نستخلص بان بامكان الفنون غير التشخيصية وغير السردية، كالتجريدية مثلا، ان تقفز طبيعيا واتوماتيكيا بعيدا عن كماشة المعيار الاخلاقي، وهذه حجة قوية بيد اصحاب الفلسفة الجمالية لتعزيز موقفهم كما يرى نويل كارول في بحثه "مبدأ الاخلاقية المعتدلة" المنشور في مجلة علم الجمال البريطانية عام 1996، والذي يؤكد فيه بان مروجي موقف الاستقلالية الذاتية من اصحاب الفلسفة الجمالية يتكئون على سؤال مهم حول انواع الفنون الخاضعة للمبدأ الاخلاقي. ومثل هذا الاتكاء يتبرر بكونهم يعرفون الجواب الحتمي المؤيد لموضوعتهم القاضية بقصور التفسير الاخلاقي عن التعبير عن كل انواع الفنون. يذهب كارول ابعد الى التأكيد بان بعض الاعمال الفنية، وبحكم طبيعتها السردية ، تقوم على ترك المجال التأويلي للمتلقي بخصوص اكمال فحواها او صياغة الرسالة المتضمنة فيها استنادا على الموقف الاخلاقي للمتلقي. على ان ذلك سيعطينا نموذجا واحدا من الاعمال الفنية التي تؤلف المثال الكلاسيكي للفن الذي لايترك اي مهرب من التقييم الاخلاقي، ومن الامثلة التي يوردها كارول على هذه الاعمال رواية اوسكار وايلد الشهيرة "صورة دوريان كَري" المنشورة عام 1891. يحدث احيانا ان يطغى ثقل العنصر الاخلاقي في العمل على جماليته او بالعكس، وعندئذ يبدر احتمالا مشروعا يتقيم ازاءه العنصر الاقل وزنا بموجب سيطرة العنصر الاكثر وزنا، ويسري ذلك في الحالتين سواء كان العنصر الطاغي ايجابيا ام سلبيا. يمكن تصور ذلك في اعمال فنية ناقشت قضية وطنية او انسانية مصيرية او جاءت في زمن ومكان مناسبين او كانت الرائدة في مجال معين واصبحت شهيرة ومعززة لتلك الاسباب وبغض النظر عن مستواها الفني، ولنا في الفن التشكيلي المعاصر امثلة عديدة على ذلك، من لوحة علبة الحساء لأندي وورهول الى لوحة الكَورنيكا لبيكاسو. وقد يحدث العكس اذا تصورنا اعمالا فنية متفوقة في فنيتها لكن اخلاقيتها الفاسدة تتسبب في هبوط تقييمها الفني ، ولنا في ذلك مثالا محليا ساطعا اذا ما أخذنا حقبة طويلة من شعر عبد الرزاق عبد الواحد. ليس هناك مغالاة في التقدير اذا راهنا بان الغالبية العظمى من العراقيين، من جاهلهم الى عالمهم، تشعر بالقرف والاشمئزاز من قراءة اوسماع ملاحم شعرية جعلت من الطاغية المتوحش الذي كان المسؤول الاول عن تدمير البلاد إلهاً منزلاً! فمن ذا الذي يبدي الاستعداد للاعتراف بشعرية عبد الواحد المتفوقة فنيا؟ ناهيك عن الاستمتاع بجماليتها، حتى اذا اعتبرنا آراء اولئك الذين يتصفون بالموضوعية والانصاف .

استنادا الى ماجاء في احد بحوث منظري الموقف الجمالي المعتدل، جي اندرسن وجي دين، المنشور في مجلة دراسات علم الجمال البريطانية عام 1998، والموسوم "الاستقلالية المعتدلة"، يقف معتدلو الفلسفتين، الاخلاقية والجمالية، على طرفي نقيض في جوابهما على السؤال الافتراضي التالي: اذا كان هناك عمل فني يتسم برسالته الاخلاقية السيئة ( ولنفترض تمجيده للارهاب على سبيل المثال) لكنه عمل فني جميل ومتقن ومتفوق، هل تستطيع سلبية هذه الرسالة وعدم قبولها من قبل الاغلبية الساحقة ان تلغي جمالية العمل؟ وبالمقابل، اذا افترضنا ان هناك رسالة انسانية واجتماعية عظيمة متضمنة في عمل فني ركيك يفتقر للحد الادنى من الجمالية او الكفاءة والاتقان، هل تستطيع تلك الرسالة الايجابية رفعه الى مصاف الاعمال الفنية المتفوقة؟ الجواب سيكون (لا) على شقيّ السؤال من قبل اصحاب الفلسفة الجمالية المستقلة وسيكون (نعم) على شقيه ايضا من قبل اصحاب الفلسفة الاخلاقية، وهذا التضاد كاف لتأشير الفيصل في موقفهما المتعارضين.

 

الفـن ونظرية المعرفة (الابيستمولوجيا)

 

تعنى الابيستمولوجيا بطبيعة ومصداقية المعرفة الانسانية، وتبحث في نطاقها ومصادرها وطرق اكتسابها، وتدرس معاييرها ومحدداتها. منذ قرون ومسألة تحديد ماهية الحقائق والتفريق بينها وبين المعتقدات وفرز ما يمكن اعتباره معرفة حقيقية تحتل مساحة واسعة في مجال الجدال الابيستمولوجي. ومن هذه المسألة الجوهرية تبرز اسئلة عديدة في مقدمتها السؤال عن الفرق بين ان نعرف حقيقة ما وبين كيفية الوصول الى تلك الحقيقة. فعلى سبيل المثال يستطيع شخص أُمي ان يتوصل الى حقيقة ان ثلاثة رجال يحتاجون ستة ارغفة اذا اكل كل منهم رغيفين، وذلك من دون ان يدرك هذا الشخص فحوى الكيفية التي يتوصل بموجبها لتلك المعرفة بسبب عدم معرفته بعمليات الاضافة او الضرب الحسابية. ينبثق كل من مفهومي "الاعتقاد" و"الحقيقة" من محيط الافتراض المعرفي. وبينما يستند الاعتقاد الى معرفة حدسية مبنية على التنبؤ الذاتي، تتميز الحقيقة بكونها الاعتقاد المبرر والمسبَب منطقيا وعلميا. قد يعتقد شخص ما بأن السماء ستمطر اليوم، وهذا هو اعتقاد محض لايتحول الى معرفة أكيدة حتى لو امطرت السماء فعلا! الا ان تنبؤ خبير الانواء الجوية بالمطر يشكل معرفة غير حدسية وغير افتراضية، انما معرفة حقيقية مبنية على تسبيب علمي واستنتاج منطقي يجعل من حدث هطول المطر متوقعا بنسب احتمال عالية تقارب المئة في المئة. يحدث احيانا ان تكون المعرفة افتراضية في البداية، وهي مايساوي عمليا الاعتقاد، لكنها قد تتحول الى حقيقة مثبتة اذا ماجرى تحقيق شروط الافتراض واستبعاد مستلزمات رفضه بطرق منطقية واحصائية ورياضية. يشير المخطط التالي لمحيط الافتراض الى فكرة تكون نطاق المعرفة مابين الحقائق والمعتقدات. على ان مايحيط بهذا النطاق مباشرة هو المساحة التي قد تحوي اما شيئا من الحقائق او شيئا من المعتقدات او كلاهما، ولكنها لاتدخل ضمن نطاق المعرفة الذي يبقى متميزا كمجال ضمني حسب

تفسيرنظرية الطقم الرياضية ( Set Theory ).

 

محيط

الافتراض

الحقائق

المعتقدات

نطاق

المعرفة

 

أما من جانب الفن، فان الجدال حول فيما اذا كان للفن دور في توليد المعرفة، وحول الهيئة والطريقة التي تتولد بموجبها المعرفة لم يتوقف، كما انه لم يصل الى اي تسوية منذ ايام افلاطون ولحد الان. هناك شبه اجماع على ان تعامل الجمهور وتفاعله مع النتاجات الفنية انما هو ليس بفعل حسي عاطفي مجرد بل يمكن ان يكون، اضافة الى ذلك، فعلا ادراكيا ومعرفيا. فمن الواضح ان يؤثر الفن في احاسيسنا ومشاعرنا وردود افعالنا، وقد يؤثر في تجاربنا، ولكن ليس من الواضح ان تنتج تجربة التفاعل مع النتاج الفني اي معرفة حقيقية غير افتراضية مثلما يفعل التعامل مع الظواهر والتفسيرات العلمية. على ان كثيرا من الناس يعتقدون ان بمقدور الفن تغيير المفاهيم وصياغة المواقف، كما ان له القابلية على تحديد زوايا النظر الى الاشياء مما يؤدي الى ادراكها بشكل مختلف، وبالتالي يمكن الاشارة الى قابلية الفن في تغيير المعتقدات والافكار وربما استحداثها ان لم يكن لها وجود مسبق. واذا تصورنا اخذ مثل هذا الاعتقاد بشكله المتطرف يتضح لنا جليا لماذا تعول الانظمة الاستبدادية على مصادرة الفنون وتفعيلها كسلاح لمسخ منظومة المعارف السائدة واستبدالها بالمنظومة البديلة التي غالبا مايحرص الاستبداديون على تسميتها بـ "الثورية والوطنية والشعبية والجماهيرية".

ينقسم المهتمون بدور الفن في تكوين المعرفة الى فريقين متناقضين في الرأي. يعتقد الفريق الاول بأن الفن يثير عواطفا معينة من شأنها تسهيل عملية اكتساب ونقل المعارف الانسانية تماما كما يحدث عند توسيع وعي وادراك المتلقي حول قضية معينة وتغيير وجهة نظره حولها. أما الفريق الثاني فلا يعتقد بان للفن اي قابلية على توليد المعرفة ذلك ان ليس بمقدورالفن ان يخلق حقائق جديدة، وذلك ماذهب اليه جيروم ستولنتز في مقالته الموسومة "ابتذال المعرفة عبر الفن" المنشورة عام 1992 في مجلة علم الجمال البريطانية. واستنادا الى تصنيف آخر للمعرفة ينقسم فلاسفة المعرفة والاكاديميون ونقاد الفن في خصوص دور الفن الى ثلاث كتل رئيسية هي كتلة العقلانيين وكتلة التجريبيين وكتلة الرومانسيين. تنقسم المعرفة بموجب هذا التصنيف الى نوعين رئيسيين:

-المعرفة السابقة ( Priori ) وهي المعرفة الذاتية المتأصلة في الدواخل والناشئة عن السليقة وغير المتأتية عن طريق التجربة.

- المعرفة اللاحقة (Posteriori) وهي المعرفة التي ليس لها وجود مسبق بل يكتسبها الانسان عن طريق التجربة.

يتسبب هذا التصنيف في اختلاف تلك الكتل الفلسفية على الشكل التالي:

- يتمسك العقلانيون بان المعرفة مشروطة باكتشاف الحقائق غير الافتراضية وانتهاج السبيل الى تبريرها وتفسيرها. والفن لايتمتع بأي امكانية من هذا النوع. تزعم هذا الاتجاه الفيلسوف الفرنسي ديكارت والفيلسوف الهولندي سبينوزا والفيلسوف الالماني ليبنز.

- يركز التجريبيون، وفي مقدمتهم الفلاسفة الانكَليز فرانسز بيكن وجان لوك وديفد هيوم، على ان اسس المعرفة الجوهرية هي الملاحظة والاختبار ولايؤمنون ايما ايمان بدور السليقة أو حتى بوجودها. وبذلك يعمدون الى التعميم المطلق حول مصدر المعرفة. وقد يتجلى ذلك التعميم واضحا في تصريحاتهم بأن كل المعرفة تنشأ من التجربة وليس بأمكان اي جزء منها ان يتولد خارج نطاق التجربة، سواء اكانت تلك التجربة فردية ذاتية ام جمعية عامة. ولان الفن يعتمد بالدرجة الاساسية على الخيال، فلايمكن للخيال ان يولد الحقيقة، انما العكس هو الصحيح : يستمد الخيال ابعاده الاولية من الحقيقة الموضوعية، فيصبح الفن انعكاسا للواقع الذي لايمكن له ان يتشكل بفعل محاكاته للفن. وبهذا الموقف يخلص التجريبيون الى الاستنتاج الى عجز الفن عن الاتيان بالمعرفة.

- ينطلق الرومانسيون في صياغة موقفهم من ثلاثة مبادئ:

1) ليس هناك بالضرورة وجهة نظر او طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة

2) يهتم الفن بالعموميات اكثر من اهتمامه بالتفصيلات

3) يتفوق الفن على العلم في اكتشاف خبايا الواقع بواسطة سعة نطاقه وتعدد اساليبه وتمتعه بزوايا نظر مختلفة.

ومن هذه المبادئ يخلص الرومانسيون الى ضرورة اعتبار التصور كعنصر اضافي يدعم التسبيب المنطقي ويفسح المجال لتضمين تظافر وتفاعل تسبيبات منطقية اخرى مختلفة، الامر الذي ينتج عن نمو المعارف واتساع نطاقها.

يذكر ان الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت حاول التوفيق بين العقلانية والتجريبية وميز بين نوعين من المعرفة: "المعرفة التحليلية" المشابهة لمعرفة السليقة التي تبدو اكيدة لصاحبها لكنها لاتفضي بالكثير من المعلومات عن العالم الذي يحيط بمنبعها ، والمعرفة التركيبية التي تأتي في صيغتين، "التركيبية بالسليقة" وهي معرفة حدسية خالصة، و"التركيبية بالتجربة" التي تفضي بالكثير من المعلومات لكنها عرضة لخطأ الاحاسيس وفشل ردود الافعال.

واخيرا، وليس آخرا، فان ماتخطى التقسيم الكلاسيكي الانف الذكر للمعرفة هو الاتجاه الذي بدأه الفيلسوف النمساوي لودفك ويتنستين والذي شاع ابتداءً من اربعينيات القرن العشرين، والذي يفيد بأن هناك معرفة حقيقية واحدة لاغير، وهي المعرفة العلمية التي يمكن بموجبها تحقيق المعتقدات عن طريق التجربة العملية التي تسمح بضم كل مايجسد الافتراض ورفض كل ما يخالفه.

وعودة الى شرعية الفن ، فلاظير في الجدال المستمر حول ماهية المعرفة وعلاقتها بالفن مالم يتشبث المتطرفون بالمنطق احادي الجانب ويتخذون من وجهة نظر واحدة سلاحا لتحقيق مآربهم الفردية. يصبح مثل هذا الاتجاه خطيرا اذا اقترن بالسلطة وتعزز بالقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية في حياة المجتمع. الخطر المحدق في هذا المجال هو تحميل الفن والثقافة بشكل عام مهمات رسمية لتصيير ونشر المعرفة، مما ينشأ عن الاستخدام السئ لقنوات الثقافة في نشر معرفة السلطة ومحاربة المعرفة المضادة، الامر الذي سينجم لامحالة عن التضييق على حرية الثقافة وتحجيم نشاطاتها مؤسسيا بواسطة اداة السلطة التقليدية في هذا المجال والمتجسدة بالرقابة الثقافية.

 

الرقابـة الثقافيـة:

 

يعود تاريخ مفهوم الرقابة الى العصر الروماني، وبالتحديد الى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كان المصطلح مقتصرا على مراقبة الاداء الاحصائي وبخاصة مايتعلق بالاشراف على التعداد والتصنيف والتقييم السكاني. الا ان المفهوم تغير بمرور الزمن واخذ يكتسب معان سلبية مع تطور الاستبداد السلطوي على الشعوب وابتداع موضوعة السيطرة الجسدية والفكرية التي مارستها السلطات الدينية والسياسية على اوليائها. وفي عصرنا الحالي يشير مفهوم الرقابة الى طبيعة النظم الدينية والسياسية التوليتارية القسرية والاستبدادية التي تمارسها هذه النظم وتتخذ منها كأداة اساسية من ادوات الحكم، خاصة حين تتحول الرقابة الى عصا غليظة بيد الحاكم المستبد الذي يمكن له ان يهش بها على غنمه من الشعب ويحقق فيها مآربه في السيطرة الكاملة. وبذلك ترقى مسألة الرقابة، بالمنطق المدني المتحضر، الى ان تكون خرقا من خروقات حقوق الانسان ووسيلة للتضيق على حرياته، وبخاصة حرية التعبير. وبهذا المنطق تتجسد الرقابة الثقافية في جميع عمليات واساليب حظر وتحريم الكلام والكتابة والصورة وكل ما يأتي بوسائل مسموعة او مرئية او محسوسة والتي قد تعبر عن افكار اومواقف او ايحاءات تعتبرها السلطة مخالفة لاعرافها وخارجة عن حدود ما تقر به مسموحا. اتخذت الرقابة الحكومية ادق وابشع صورها تحت الانظمة التوليتارية المعروفة مثل الفاشية والنازية والشيوعية وكل من حذا حذوها. تشير التقارير التي صدرت بعد سقوط النظام الشيوعي لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الى ان حكومة موسكو كانت قد اسست اعتى نظام للرقابة الحكومية في التاريخ البشري والذي تجسد في عمل ومسؤولية الوكالة العملاقة المسماة "كَلافلت" او الوكالة الوطنية للحماية العسكرية واسرار الدولة، والتي ضمت70000 موظف يدققون في كل شاردة وواردة من الكلمات المطبوعة على سدادة قنينة الحليب او بطاقة الباص الى الكلمات التي يغنيها فلاح جذل في براري سيبيريا، ناهيك عما يكتب في الصحف والكتب والمناهج او مايقال في الاذاعة او ما يشاهد في التلفزيون والسينما والمسرح ومعارض التشكيل وصالات العروض. ولايخفى على احد كيف زُرِعت الآذان المتصنتة والعيون المتلصصة على الجدران والطرقات والارصفة في زمن البعث في العراق حتى بات المواطن مرتابا من ظله واصبح الطفل رقيبا على والديه في عقر دارهما.

اذا حدث ان تبنت السلطة الدينية او السياسية في مجتمع ما مبدأ الرقابة الثقافية، سيبدو الحال وكأن العقل والضمير الجمعي لذلك المجتمع سيكون هو المسؤول الرسمي امام القانون والتاريخ على حجب او ازالة معلومات معينة والحيلولة دون وصولها الى عامة الناس بحجة الحفاظ على المصلحة العامة. ان منطقا مثل هذا سيقود المرء العاقل، والاخطر ان يقود الاجيال التي تترعرع في ظل الرقابة، الى الاستنتاج بان المعلومات المحظورة هي معلومات ضارة فعلا وحقيقةً ، ودفع الضرر عن المجتمع مهمة وطنية مقدسة!! لكن سهولة وبداهة وعقلانية هذا الاستنتاج لاتتوازى مع صعوبة وتعقيد مسألة تشخيص وتحديد واثبات ضرر تلك المعلومات ونتائجها السلبية على المجتمع. ومن هذا فان خطورة الرقابة لاتكمن في الاساس في حرمان الشعب من الاطلاع على تلك المعلومات او التمتع بها، انما تتأتى الخطورة الكبرى من قضية اقرار وصياغة المسؤولية الاجتماعية وطبيعتها وهوية ونوعية من يضطلع بها. باختصار، ستكون الخطورة متجسدة في تصور الاجابة على السؤال " من ذا الذي يشخص تلك الاضرار والاخطار التي تحيق بالمجتمع؟ وياترى من هذا الذي سيمثل العقل والضمير الجمعي بأهلية ونبل واخلاص؟ ومن ذا الذي يتمتع بتفويض الشعب للاضطلاع بهذه المسؤولية الكبرى التي تتجاوز حدودها قابليات اي شخص او اي لجنة. هل هو رجل الدين؟ ام رجل السياسة؟ ام رجل العسكر؟ ام شيخ العشيرة؟ ام مختار الطرف؟ ام ابن الرئيس؟ او ابنة مسؤول الحزب؟!!

عند تأمل طبيعة الانظمة الاستبدادية سيكتشف المرء العاقل في الحال ان تلك الانظمة لاتتعب نفسها في التفكير بهذا الشأن، ولاتوجع رأسها في ايجاد الشخص الملائم. ستلجأ بكل بساطة وثقة وممنونية الى تعيين موظف او تشكيل لجنة من جلاوزتها لتنفيذ الحظر المطلوب الذي يقره الدين او الحزب السياسي او شخص المستبد الفردي وحاشيته. وبهذه الصورة تكتمل كارثة الكوارث وهي تنقيص آمال وتطلعات الشعب وسعيه الحر للتقدم والازدهار الى قرار فردي يضع الحكم الاخير بيد فرد او مجموعة صغيرة من الافراد غالبا مايكونون اقرب الى الجهل والانانية والظلم منه الى العقل والموضوعيةوالانصاف. ولنتأمل احدث مثال في عالمنا التطبيقي الحاضر، المثال الحي الذي سيبقى شاخصا في الذاكرة العراقية لزمن قادم طويل، وهو قرار الحكومة "الوطنية الشعبية الديمقراطية" في العراق الجديد الى اسناد جميع امور الثقافة والفن والاعلام في بلد الثقافة والفنون والعلوم والابداع الى وزير جاهل، اهون مايمكن قراءته في اضبارة سيرته الذاتية "الفذة" انه تخرج من مدارس قطع الرؤوس في افغانستان وترقىّ في سلم خبرته الجليلة من خطيب جامع الى ارهابي صنديد يختفي تحت بدلة ورباط عنق مستوردين.


رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  د. مصدق الحبيب


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

بحث عن الكتاب


انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 


دليل الفنانيين التشكيليين

Powered by IraqiArt.com 


 

 

 
 
 

Copyright © 2007 IraqWriters.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni