الخطيئةُ والقربان - عن الجهاد في سبيل الله

ط§ط­ظ…ط¯ ط¹ط¨ط¯ط§ظ„ط­ط³ظٹظ†

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
14/02/2007 06:00 AM
GMT



الخطأُ شرطٌ للوجود: هذا ما أفصحْ عنه الدينُ حين وضعَ الخطيئةَ نقطةَ بدءٍ لحياة الإنسان على هذه الأرض: خطيئة آدم التي كانت علّة انتقاله من الحظيرة المقدسة إلى أرض التكثّر والتزاحم والتغالب.

في الأديان السماوية، لكنْ في الميثيولوجيا السابقة لها أيضاً، كانتْ حياةُ البشر مؤسَّسةً على ذنبٍ أصليٍّ ظلوا يحملونه وشماً على أرواحهم. أصلُ الخطيئة هذا سيبلغ به الطهرانيون التقاةُ من الأديان كافة مبلغاً يجعلهم يرون الى الحياة كلها باعتبارها خطيئة، كما في قول الشاعر الصوفيّ: وجودك ذنب لا يقاس به ذنبُ.

وليست النوازع الدينية في آخر الأمر إلا وعداً بالخلاص من الخطأ، من ذنبٍ هو في جبلّة الإنسان وأصل خلقته. هل الدين سوى استراتيجية لطرد هذا الشرير الذي تمّتْ شخصنته (سمّي الشيطان أو إبليس)، لتحويله إلى خارج النفس الإنسانية أولاً وليمكن ضبطه والقضاء عليه؟

ذلك ان الانتقام من الخطيئة (لولا هذا التشخيص للشرّ) غير ممكنٍ دون أن يصار إلى الإنتقام من الحياة نفسها واستدعاء الموت، فليس، والحالة هذه، إلا تكثيف الشر كله في الـ(شرير)، لأن الإنتقام من شخصٍ يقع في حدود الممكن، بالضدّ من الانتقام من الفكرة نفسها، فكرة الشرّ التي امتزجت بوجود الانسان وتخللتْه.

هذه أولى تجليات الخلاص الذي وَعدَ به الدينُ.

والشيطان كان الأضحية الأولى التي تقرّبَ بها الناسُ في سبيل تطهير انسانيتهم الملوّثة بالخطأ الأصليّ.

إذ الأضحية ليست إلا هذه: شاخص حيّ يتمّ تحميله جزءاً من شرور الذات والتخلص منها بالتخلص منه هو ذاته.

هكذا كان الخلاص هو جوهر الدين. وهو ليس خلاصاً من الحياة نفسها، بل من الجنبة المظلمة التي حملها الإنسان في أعماقه. ولأن الخطأ مساوقٌ للوجود بل هو بدّه اللازم، كان مقدراً للخلاص أن لا يكون نهائياً أبداً وتاماً، ليست له نهاية وإن كانت له غاية. غايته التطهير، أي جعلَ عيشَ الأنسان ممكناً مع كونه حاملاً لهذا الجرح السريّ (الخطيئة)، هذا الجرح الذي يندمل ليتفتق مرة أخرى من جديد.

لكنّ الخلاص بلا نهاية لأن الذنب الأصليّ يجدده وجودُ الانسان نفسه، يولد مع أنفاسه. أنه خطأ حيّ يخالط وجودنا، وما من نهاية للخطأ إلا بنهاية كل عملٍ، إلا بالموت.
لأجل هذا كان للخلاص الدينيّ أبداً صفةُ الوعد، الوعد الذي يضع الأنسان في أفق انتظارٍ دائمٍ له، وهو خلاصٌ معبَّر عنه بشتى الطقوس المتباينة، لكنها تشترك جميعاً في هذا المبدأ: شخصنة الشرّ، تحويله إلى الخارج ثمّ القضاء عليه بقتله، أي جعله أضحية، قرباناً.
 
القربان الأوّل :

ينبئنا القرآن أن جريمة قتل الانسان الأولى حدثت بسبب الإخلال في تقديم قربان، أي ان خللاً ما أصاب عملية إخراج الشرّ على هيئة أضحية، فلم يتمّ تقبّلها من قبل الربّ،

(إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنكّ)!

ولأنها لم تُتَقبّل ضلّ الشرُّ طريقه فوجد له موضوعاً آخر سوى الأضحية، وكان هذا الموضوعُ الانسانَ نفسه.

قَتَلَ الإنسانُ أخاه لأنّ القربان ناقصٌ فلم تكتمل دورة الخلاص، ظل شرّه الأصليّ دائراً يبحث له عن أضحية ما، وجدها في أخيه وابتدأ مسيلُ الدم.

خروجُ غريزةِ القتل إلى الوجود وتحقّقها هو نتاجُ خللٍ في تدبير هذا النظام الذي وضعه الدينُ لتنظيم الغرائز كلّها. لم يعدْ القربان كافياً للجم كباح هذه الشهوة التي حين لا تجد قربانها تخترع لها أضحية بشريةً، لهذا كان القانون الذي اشتَقّ من جنس الجرم عقوبةً (النفس بالنفس، العين بالعين والسن بالسنّ)، صار للمجتمع أيضاً قرابينه التي يضحّي بها لطرد الشرور من جسده: التضحية بالجاني لخلاص الجميع، ذلك جوهر القوانين البدائية كلها دينية أو غير دينية.

هكذا يمكننا أن نرى تقنين الغرائز المولّدة للخطايا وهو يتّبع طريقتين: الأولى طقوسية والثانية قانونيّة.

تجد الأولى في ضروب الشعيرات الدينية كأضاحي الحجّ لدى المسلمين، أو عيد الغفران الذي يقوم فيه اليهوديّ بوضع دجاجة حيّة على رأسه لتحمّل خطاياه وخطايا عائلته ثم يقوم بذبحها.. وفي ديانة الأزتيك أمثلة كثيرة أوردها لوكليزيو في كتابه الرائع (الفكر المبتور) كما تجدها في طقوس الديانات الوثنية الأفريقية كذلك.

وقد بلغتْ هذه الطقوس منحىً أكثر تعقيداً وأشدّ ترميزاً كما في تحمّل المسيح خطايا البشر واعتباره القربان الكامل لخطاياهم، أو كما في بعض التآويل الشيعية التي رأت في ذبح الحسين خلاصاً لشيعته.

أما الطريقة الثانية فيمكنك رؤيتها  في صنوف العقوبات الدينية الناصّة على قتل القاتل، كما تجدها في الأعراف القبلية كذلك (الثأر أنفى للدم)، إذ ان هذه العقوبات هي في آخر الأمر محاولات للحدّ من انفجار الغريزة التي تطلب على الدوام موضوعاً لتحقّقها.

كانت القوانين والشرائع التي نظمتْ حياةَ البشر مبتنيةً على الحدّ من سلطان الغريزة وتأجيل انفجارها، وفي النهاية لا تبدو المدنيةُ أو التحضّر إلا نتاجَ هذا الكبحِ المستمرّ لغرائز الانتقام والقتل والرغبة في التهتّك والخروج من ربقة كلّ سلطان أخلاقيّ أو قانونيّ، إذْ هذه الرغبةُ في الانفلات هي أساس كل غريزةٍ واليها تنتهي كل الرغائب التي قُمعت بالـ(حقّ) و(العدالة).

 
الحقّ والقوّة :

والحقّ هنا المفاهيم الإرشادية التي جاء بها الدين مخاطباً ضمير الإنسان ووجدانه لتنتهي آخر الأمر على هيئة نظام أخلاقيّ. أما العدلُ فهو وان كان مؤسساً على هذه النظم الأخلاقية إلا انه اتخذ جنبة إلزامية مبثوثة في قوانين صارمة تتوعّد من يروم الخروج عليها.

هي ذي قوّة الإسلام الذي قيل عنه انه انتصر بالقرآن والسيف، قوّة مزدوجة من الحقّ والعدل الإلهيين. والحقّ طالبٌ للعدل ابداً وإلا ظلّ في قوّته المحض التي لا تنتج إلا أقاويل غير ملزمة إلا لمن يعتنقها. هذا برهان آخر على أن كبح الغريزة لا يكون الا بأداء من سنخها، فليس الإرشاد وحده ولا الوعيد الآخرويّ الذي تضمنته الإيات المكيّة في القرآن بقادر على تأسيس مدنيّة وحضارة. لا بدّ إذاً من استثمار غرائز القتل ذاتها وتوجيهها لتحقيق العدالة التي هي ليستْ شيئاً آخر سوى قتلٍ وعنفٍ يراد لطرد القتل والعنف، ولهذا كان القصاص حياةً لأولي الألباب والموت نفياً للموت.

التحضّر (بوصفه قوانين ودساتير وشرائع) يستعير من الغريزة أداتها ويوردها في موردٍ آخرَ مهمّته تأجيلُ الانفجار الجماعيّ للغريزة ذاتها. نشهد هنا الطقس الأضحويّ معمّماً ومكبّراً، فما يراد على الحقيقة (في العدالة كما في الحروب المقدسة) هو اصطناع قربانٍ يكون موضوعاً لغريزة الفتك بدلاً من أن تضلّ طريقها فتلتهم الحياةَ. إنه مبدأ ثأريّ مؤداه القتل الأصغر تفادياً لقتل أكبر (القتل أنفى للدم)، حرب قابيل وهابيل: حربُ المقرَّبين من الله (أي الذين تقبّل اللهُ قربانهم) ضدّ المبعَدين الذين حدث خلل ما في إيصال قرابينهم الى الله فراحوا يجعلون من الحياة ذاتها اضحيةً لهم.

هكذا نرى ان الحقّ المعبَّر عنه بالنُظم الأخلاقية لم يسهمْ أبداً في أن يكون محرّكاً للتأريخ، التأريخ الذي كان على الدوام مدفوعاً بقوّة الصراع والتغالب والقتل، فهذه الآلة الضخمة لم يكن لها من وقود إلا الدم.

ويبدو ان الحقّ الطالب للعدالة "أي القرآن الطالب للسيف" منتشياً بهذه الأستراتيجية العنفيّة: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً)، (قاتلوهم لئلا تكون فتنة ويكون الدين لله)، (كُتبَ عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)، القتل حافظٌ للعيش وهو درءٌ للفتنة كما انه خيرٌ. كأنما الخلاص مرة أخرى لا بدّ أن يكون مارّاً عبر عيدِ التضحية هذا، عبر المهرجان الذي يمكن أن تتفتح فيه غريزةُ القتل على أشدّها دون أن تكون عرضةً للذمّ أو القدح أو تأنيب الضمير، على العكس فهي هنا غريزة مقدسة ومطلوبة بالأمر الإلهي (اقتلوهم حيث ثقفتموهم) لماذا؟ لأن القتل يراد هنا لدرء خطر أكبر هو القتل غير المنظم، أيْ قتل الحياة لا قتل الشرّ، باختصار انه ذلك القتل الذي يقوم به المبعَدون "من لم يتقبّل الله لهم قرباناً" وهذا القتل الأخير المدنّس هو ما سمّي بالاسلام بالفتنة (التي هي أشدّ من القتل). أو بتعبير باتاي (إعادة الحياة كقيمة ضائعة بواسطة التخلي عن هذه القيمة)!

تأريخ الأضاحي:

ما عساه يكون التاريخ لولا هذه المهرجانات السعيدة التي تنبثق فيها نوافير الدم مكوّنة أعياد الانسانية على مرّ الدهور؟

فبالتدبّر في الأمر نرى ان الحدث التأريخي لا يجيء إلا معمّداً بالدم، ولا تستحقّ الواقعة أن تكون تأريخية إلا آن تسمح للغريزة بالهتاف بألسنتها الدمويّة.

إن المؤرخ يغطّ في سبات عميق ولا توقظه إلا قعقعة سلاح ووجيب دم. لا يصدق هذا على التأريخ القديم فحسب بل يصدق بالقدر ذاته على تأريخنا الجديد، يكفي أن نتذكر مقولة "كوجيف" الشهيرة عن أحداث باريس 1968 ، قال: (مادام لم يُرَقْ دمٌ فإن شيئاً لم يحدث على الإطلاق).

كوجيف نفسه بيّن أن القتل ليس ذا باعث خارجيّ، أو لنقلْ إن باعثه الخارجيّ ليس مطلوباً تماماً، إذ القتل فعل مَرومٌ لذاته بذاته، يراد لتأدية غريزة دأبها أن تخرج ولا يهمها بعد ذلك الحال الذي تخرج به، قال كوجيف: (كلّ فلسفة تتجاهل هذه الواقعة هي تضليل مثاليّ).

نصل إذاً إلى أن الغرائز المولّدة للعنفِ تقبع في أعماق الإنسان منتظرةً  الثغرة التي تطلّ منها للخروج وممارسة الفتك، وان الطقوس الدينيّة الأضحوية، مثلها مثل النظم الأخلاقية والشرائع ذات الوعيد الأخرويّ أو الدنيويّ على السواء، وحتى أنماط فنّ العيش الحديثة (الأتيكيت)، ما هي إلا غلاف هذه النزوات المانعة إياها من الظهور، إنها كالغلاف الجسديّ (البَشَرة) الذي يمنع ظهور الشرايين والأعصاب والعضلات، فلولاه لغدا منظر الإنسان لا يحتمَل.

كم يبدو البشرُ أشبه ببراكين وقورة هادئة تمّ قمعها وتأجيل اندلاعها بالأخلاق تارةً وبالقانون تارة أخرى، أي بالحقّ والقوّة اللذين شكّلا في الدين مبدأيْ الخلاص.

والحقّ هو في صلب الوعيد الآخرويّ "القيامة" التي هي الخلاص النهائيّ من الشرور ومن الغرائز كلّها. أما القوّة فهي "الناطقة باسم هذا الحقّ" وهي أداة الخلاص الدنيويّ التي من شأنها تنظيم هذه الغرائز، استثمارها لقمع "الفتنة" التي هي "كاوس" متولّد عن انفجار غرائز المجموع.

المسافة بين القوّة والحقّ هي المسافة بين الأمر بتقديس الذات الإنسانيّة في آيات كثيرة، وبين الحثّ على حصد النفوس حصداً الوارد في آيات أكثر.

وهي ذاتها المسافة بين "لا تقتلْ" الواردة في التوراة كوصيّة من الوصايا العشر وبين تمجيد القتل والترنمّ بأناشيده في طول التوراة وعرضها والذي كان أساس القتل الذريع الذي مارسه اليهوديّ "ومازال؟" باسم اليهوديّة، وبالتالي باسم الوصايا العشر نفسها، أي باسم "لا تقتلْ".

وهي المسافة عينها بين منتهى الإفراط في التسامح الإنجيليّ الذي بلغ ذروته في الصليب المرفوع فوقه جسدُ الحملِ ابن الانسان الغافر لقاتليه، وبين الصليب نفسه شعاراً للحروب الصليبيّة التي كانت عيداً لهياج غرائز القتل والذبح على مرّ القرون.

إنّ القتل باسم الدين سواء أكان قتلاً فردياً (على هيئة قصاصٍ مثلاً) أو جماعياً (كالحرب) له هذا المغزى الدالّ على التضحية وتقديم القرابين، أي على هدر قيمة الحياة لإعلاء الحياة نفسها، أو قلْ تأجيل العملِ بالوصيّة (لا تقتلْ) لإدامة الوصيّة إلى الأبد، أوبكلمة أوجز: "التوسّل بالغريزة لاطفاء الغرائز".

وهذا القتل المقدّس يقع حدّاً وسطاً بين القيامة بوصفها خلاصاً نهائياً وبين التضحية باعتبارها خلاصاً فرديّاً، فهو من جانب صورةٌ مكبّرة لتقديم القربان: شخصنة الشرّ ثم ذبحه. ومن جانب آخر هو صورة مصغّرة للقيامة ـ المهرجان الإنسانيّ الكبير الذي تتفتح فيه الغرائز كلّها وبقسوة بالغة لكنْ بقداسة مطلقة.

الحرب باسم الدين هي قطعة من القيامة الكبرى هنا على الأرض.

القيامة انفجار المكبوت:
 
القيامة ، هذا الوعدُ الأبديّ "وكل خلاصٍ له صفةُ الوعد" ليست إلا انفجار مكبوت الإنسانية على نحو مدهش. إنها اليوم الذي تضع فيه البشريةُ أثقالها من الغرائز كلّها، فليستْ الآخرة هي وضعَ الموازين القسط وإحقاق الحقّ فحسب، بل هي في حقيقة الأمر ذهاب بالغرائز إلى أقصى تفجّرها، الوصول بالعقاب إلى آخره، لكنْ الوصول باللذة إلى منتهاها كذلك، كما لو أن الوعد بالقيامة تلويحٌ للانسان بأنّ في وسع هذه الغرائز التي كُبتتْ طويلاً أن تكون في بيتها الأليف أخيراً ، في الموضع الذي تمارِس فيه تحققها بإطلاق وبلا رادع "حيث ما لا عين رأت ولا اذن سمعتْ ولا أعترض على قلب بشر".

في تلك البلاد الخاليّة من الشرّ تتفجّر غرائزُ المؤمنين على وسعها، لا غريزة الجماع فحسب (يعطى للمؤمن شهوة وقوّة سبعين رجلاً ويُمنحُ أعداد خرافية من الجواري)، ولا غريزة الأكل بنهمٍ (فواكه مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) أو الشرب ( أنهار الخمر والعسل واللبن والماء)، لكنْ غرائز الكراهية أيضاً تتفتح بلا حسابٍ (كما في الآيات التي تشير إلى الزيارات التي يقوم بها أهلُ الجنة لأهلِ النار ومخاطبتهم والتشفّي بهم).

وليست القيامة موطناً بلا شرور إلا لأن العنف فيها دائمٌ مستمرّ. هي ليستْ محلَّ سلامٍ ووئامٍ إلا بسبب وجود محرقةٍ أبديّة على مقربة منها، أعني جهنمَ التي يلقى فيها العددُ الأكبر من الخلق، كما يستفاد من نصوص القرآن والسنّة.

القيامة محلُّ الحياة الأبدية لأنها في الآن ذاته محلّ الموت الأبدي. فأصحابُ النار في موتٍ مستمرّ (كلما نضجتْ جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها).

لولا جهنم "هذا القربان الجماعي الذي لا ينقطع" لما كانت الجنة نعيماً ولما حدث هذا العيد الأكبر الذي ينتظره المؤمنون، هو فعل التضحية ذاته، لكنّ له هذه المرة طابعاً كونياً يتيح للبشرية أن تمحو خطأها الحيّ، الخطأ الأصليّ الذي يخالط وجودها، يكون للأنسانية يومها أن "تنزع ما في صدورها من غِلّ"، إذ الغِلُّ والشرّ صار له موطن آخر خارج هذا النعيم المقيم، أضحتْ جهنم هي موئل الشرور والأشرار حيث تقام محرقة قربان أبديّ كبير.

لكنْ هذه القيامة من ينتظرها؟

مَنْ يطيق الانتظار؟:

هل من أحد بقادرٍ حقاً على الإنتظار؟ بل هل الإنتظار فعلٌ متاح أصلاً؟

العبارة التي قيلتْ دائماً على لسان المؤمنين (ما هي الا الصلوات الخمس وانتظار القيامة) أو نسختها الشيعيّة (عليكم بالصبر وانتظار الفرج)  تكشف عن أن الانتظار عبادة، اي انه فعل ووظيفة تتطلب جهداً، وليس الانتظارُ تركاً أو تخليّاً عن فعلٍ.

ذاك ان هذا الانشداد إلى اليوم الآخر يتطلّب تسكينَ الغرائز إلى أن يحين وقتُ مهرجانها الموعود.

لكنْ أليس في انتظار الخلاص جحيم مضاعفٌ؟

(طالَ عليهم الأمدُ فقستْ قلوبهم) يصفُ القرآن مخلوقات الإنتظار، الانتظار الذي قال عنه نيتشة (انه يجعل المرء بلا أخلاق).

وبالفعل فإنّ انتظار الخلاص مضنٍ، والوصول إلى أرض السلام (الجنّة) من خلال العبادة والانتظار أشدّ إرهاقاً، فكان لا بدّ أن يصار إلى استعجال قيامةٍ عل هذه الأرض تتيح للمؤمنين ما تتيحه لهم القيامة: ارتكاب الغريزة بلا ذنب. فكانت الحربُ الدينيّة التي هي لاشيء سوى إضفاء طابع مقدّس على غرائز منحطّة، وهو ما يجعلها متطابقة مع المهرجان الكوكبيّ الأكبر المسمّى بيوم القيامة.

في الحرب كما في القيامة يكون لنا أن نتخلى، دون تبكيت ضمير، عن الوصايا الأولى (لا تقتلْ). يكون لنا الحقُّ بامتهان "الحقّ" لصالح "القوّة" التي هي نافذة تطلّ منها غرائزنا المكبوتة على العالم. وفي الحرب المقدسة، كما في يوم القيامة، يكون الخلاصُ متاحاً للجميع. وهنا لا بدّ من تفصيل:

على الدوام كان مركزُ الاسلام ذا طابع معرفيّ علميّ يمثّله شخصٌ هو (العالِم)، الفقيه، صاحب الكلام، أو الصوفيّ مثلاً، وخطابٌ يُعرف به هذا الشخص(معتزليّ، اشعريّ، شيعيّ)، وحاضرةٌ كانت غالباً معروفة بوصفها حاضرة علم (بغداد، البصرة أو الكوفة).

كان مركز الاسلام هذا له طابعٌ فرديّ، إذ الاسلامُ باعتباره معرفةً وعلماً نُظر اليه دائماً محلاً لا يمكن أن تطأه أقدام العامّة.

يجيء هذا العيد الكبير (الحرب، الجهاد) ليقلب المشهد كلّه. ففي غمرة الجهاد لا يعود مركز الاسلام تلك البقعة المعرفيّة، بل الجهادية الاستشهادية، ولا يعودُ "شخص الاسلام" هو ذلك العالِم (منتظِر القيامة)، وانما المقاتِل المحقّق لهذه القيامة.  أكثر من ذلك لا تعود حواضر الاسلام وعناوينه المكانية هي تلك الحواضر العلمية (بغداد، الكوفة، البصرة) بل تنسحبُ هذه لتخلي المكان للحواضر الجهادية (قندهار، تورا بورا ، وامارة الفلوجة الاسلامية مؤخراً).

إنّ الحرب الدينيّة المعبّر عنها بالجهاد تجعل هذه السرانيّة والفرديّة التي كان عليها مركز الاسلام تنسحب الى الهامش، فإذا كان العِلم من شأن الخاصة فقط، فان الاستشهاد متاحٌ للجميع، أي أن الجميع  صار الآن بمقدوره منازعة العالِم سلطانه الرمزيّ وقوّة حضوره لدى الناس. وبالفعل ليس من عالِم كبير اليوم له سطوة تعادل سطوة الجهاديّ المهيأ للاستشهاد، وليس من فقيه استطاع أن يفرض احترامه على الجميع إلا إذا جعل من علمه (فتاواه أو إرشاداته) إعداداتٍ تبرّر للمجاهد عمله، مثال ما يفعله القرضاويّ الآن الذي هو أشهر من سواه لهذا السبب، ومثال ما حاوله مقتدى الصدر ليعوّض عدم أهليته لحيازة رأسمال رمزيّ منعه تحصيله العلميّ المحدود من حيازته.

وللمثال فان القرضاويّ، قبل إصدار فتاواه المساندة للجهاديين، كان من الذين جوبهوا بحملات سخرية كثيرة من قبل الفقهاء أنفسهم (يكفي أن نذكر كتاب الشيخ الوهابيّ مقبل والذي كان عنوانه لافتاً : إسكات الكلب العاوي في الرد على القرضاوي). لكنه ما إن اندغم هو و"عِلمه" في جمهرة الإعداد للجهاد حتى صار مرضيّاً عنه من قبل الجميع، عامّة وفقهاء.

وهكذا فان ما كان يشكلّ مركز الاسلام (أي المعرفة) أصبح هو الهامش الآن، مجرد تبريراتٍ مسوّغة للفعل الاسلامي الأكبر أي الجهاد.

أخيراً :

يمكن القول ان العالِم لم يعدْ هو (رجلَ الدين). هذا اللقلب ورثه المجاهدُ حين حُسِمَ التنافس على مركز الاسلام بين الرجلينِ لصالح الاستشهاديّ الذي جعل الخلاص متاحاً لصبيةٍ قادرين على تفجير أنفسهم، في الوقت الذي يفجرّون فيه غرائزهم التي يطلب منهم الفقيهُ تأجيلها بانتظار القيامة.

كلّ ما في الاسلام اليوم يستعجل القيامة ويطلبها. وستكون قيامة الاسلام على الأرض هذا المدّ الجهاديّ الذي تتقدّس فيه غرائز القتل، والتمثيل بالجثث، حرقها قرابينَ وسحلها وتعليقها، واغتصاب الفتيات (كناية عن الحور العين في الآخرة) ـ ورد في الأنباء ان كثيراً من عوائل الفلوجة هربت من بيوتها لا بسبب الخوف من الحرب بل هلعاً من شهوة المقاتلين العرب الذين أعطاهم ربهم شهوة وقوّة سبعين رجلاً، والطريف ان إعلاناً نُشر في أحد المواقع الجهادية يدعو العرب للتوجه الى العراق ان لم يكن لتحصيل الشهادة في سبيل الله فللزواج من فتاة عراقية مؤمنة.

في كلّ ذلك كان مأزق الاسلام أن الحقّ الذي فيه (قرآن ومقولات أخلاقيّة) تلاشت دفعة واحدة لتكون غير ذات فاعلية سوى وظيفتها الجديدة: التهيئة لهذه القيامة الصغرى التي نعيشها اليوم.

صار "الحقّ" الاسلامي وقودَ المحرقة التي تلتهم كلّ يوم قرابين جديدة لها.

أمة بلا رأي
 
عبارة (الرأي الآخر) المسفوحة هذه الأيام بكثرة في صحف العرب وفضائياتهم، تستبطنُ بحسب منطوقها وجود رأيٍ أوّل هو المحرّض على استيلاد هذا الرأي الآخر. فما ثَمّ (رأيٌ آخر) إلا في مواجهة رأيٍ ناجزٍ يجيء هذا الآخر ليضادّه.

وهي عبارة أريد منها أن تكون علامة على وجود جهود متباينة لذواتٍ لها القدرة على تكوين آراء وتداولها والدفاع عنها.

الرأي والرأي الآخر، تبعاً لذلك، يشير إلى الذات والآخر مباشرة باعتبارهما فاعلين يمتلكان الإرادة والحريّة اللتين هما شرطان لكلّ رأيٍ ممكن. حيث ان غياب الإرادة يجعل الفكرة المتلفظَة أو المكتوبة أدنى من أن تكون رأياً، يساويها بالهاجسِ أو التهويم الخالي من التدبّر. أما غياب الحريّة فهو نقض لكلّ رأيٍ، إذ الرأي والإكراه لا يلتقيان.

إذا شئنا أن نتفحّص ما تلوكه ألسنةُ المسلمين اليوم عن فكرة "الرأي" وفق هذه المسلّمة فسوف نجد أننا ـ كعادتنا في التعامل مع كلّ فكرة وافدة ـ قبضنا عليها، أفرغناها من معناها الحقيقيّ ثم أتلفناها بكثرة الترداد حتى باتت لغواً، أيْ شعاراً، إنها كالحريّة التي لم تعدْ تستطيع العيش بين ظهرانينا بعد أن حوّلناها ـ بالهتاف والتنظير ـ إلى رطانةٍ سياسيّة. فللآخرين حريتهم المنقوصة التي يحيونها ويعيشونها ويرفدونها بالممارسة تصحيحاً ونقداً وتجريباً، ولنا حريتنا المطلوبة أبداً في مظاهراتٍ وشعارات وكتبٍ حزبيةٍ وقصائد جعلت من الحرية حمراء لها باب لا يُدقّ إلا بيد مضرجة بدم.

والآن حان دور هذا الشعار (الرأي والرأي الآخر) لنحيله رميماً لفظياً.

هل في الإسلام رأي؟
 
النواة الصلبة للإسلام النابذة لكلّ جديدٍ، هي ما مجّده المسلمون طويلاً باعتبارها الحافظة لهويّة أريد لها أن تتأبّد. نواةٌ هي في آخر الأمر حشد مقولاتٍ راسخة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، كلّها تصبّ في إبطال أهمية كلّ وافد، إنْ لم يكن بنقضه فبادعاء تملّكه ثم تغيير وظيفته وتحويلها إلى وجهة أخرى لا تمسّ هذا النطاقَ الفولاذيّ المصنوع من مقولاتنا الألفيّة الخالدة.

ننقض ما جعله العِلمُ بديهيّة لا شكّ فيها، لسبب وحيدٍ هو أن كلّ ما لا يرقى إليه الشكّ يجب أن يحوزه العِلم الدينيُّ لا سواه، مثال ذلك عدم اقتناع كبير علماء السعودية بكروية الأرض، أو ذلك الكتاب الذي ينبئ عنوانه عن محتواه، وعنوانه هو (السيف البتار على من قال ان المطر من البخار).

وإن لم يكن نقض ذلك ممكناً رحنا نفتش عن أوراق رسمية تبث عائديته لنا، مثال ما يفعله الدكتور زغلول النجار المهموم بنظرية الاعجاز العلميّ للقرآن الذي جعل من الكشوفات العلمية، لكنْ من آيات القرآن أيضاً، صوراً كاريكاتيرية.

الرأي، بوصفه نتاج ذات إنسانيّة، لم يكن له حيّز طوال تأريخنا، بل إنّ هذا اللفظ ارتبط دائماً بكل ما يؤدي آخر الأمر إلى المذموم من الفعل، فمن فسّر برأيه فقد هلك، ومن أفتى برأيه فقد هلك، وهو أمرٌ له علّة بيّة تتمثل في أن ما يبتنى عليه الإسلامُ لم يكن ذا طبيعة إنسانيّة، فليس وارداً أن يَسأل أحدٌ ما عن رأي الله أو الرسول أو القرآن،  بل عن حكم الله الوارد في القرآن والذي أبلغه الرسول.

أما العلوم الدائرة في فلك الكتاب والسنّة فهي رغم منشئها الإنساني (أي حيازتها للإرادة) إلا إنها كانت على الدوام مشدودة إلى تتبع مقاصد الكتاب والسنة، فإذا كان هناك رأيٌ فيها فهو رأي الشرع الذي هو مطلوب المسلم على مرّ الدهور.

هكذا يبدو تحت التملّي العميق أن الرأي ظلّ على الدوام شيئاً فائضاً عن الحاجة، مادام كلّ جهد المسلم، كل ما يتلفظه ويكتبه ويفكّر به مشدوداً لاشتراطات هذه النواة الصلبة، خاضعاً لاكراهاتها. من هنا التقديس الذي ينْظر به المسلم إلى كلّ آنات التأريخ الإسلاميّ ، لأن هذا التأريخ كان أشبه ما يكون بعملية تمّتْ وأُنجزتْ بدون تدخّل الذات الإنسانيّة، وما الشخوص الذين ترِدُ أسماؤهم في مدونات التأريخ إلا عناصر مؤديّة لحقيقة ناجزة سلفاً، فبقدر تطابقهم مع النصّ الأصليّ يحوزون قداسةً، وبقدر خلوّهم من صوت خاصّ بهم يزدادون إبانةً عن مقصود الشريعة الذي لا يمكن أن يكون رأياً بل هو أمرٌ يستدعي من لدن المخاطَبين به إذعاناً وتلبيةً.

هذا التطابق مع الأصل عبّر عنه الإمام الصادق بقوله (هلك أصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، ولو علم الناس أصلَ الخلق ما اختلف اثنان).

ليس الإنسانُ موضوعَ تساؤلٍ دينيّ لجهة وعيه وحريّته ، بل كان موضوعاً لهذا التساؤل لجهة مسؤوليته فحسب، مسؤوليته في تأدية حقيقة دينيّة أريدَ لها أن تكون وراء كلّ قول وفعل ممكن.

هكذا لم يعد للمسلم من صوت، فليس له كلمة ذات سند حقيقيّ إلا إذا كانت تكشف عن مرجعية مقدسة تمثّلت في أقوال القرآن وتفاسيره وأحكامه، وليس له من فعلٍ سويّ إلا إذا كان يمتّ بسببٍ إلى زمن الوقائع الأصلية المقدسة، زمن الرسول، قوله وفعله وتقريره (وهذه هي السنّة).

نفوذ الأمس:

لا رأي إذاً، فعلى الدوام حين يكون الفرد عاجزاً عن استخدام فهمه الخاص دون تدخل الآخرين لا يعود الرأي ممكناً (على ما أبان عنه كانت في رسالته ما الانوار)، بل يحلّ محله العجزُ الذي قد تكون له أقاوبل متشبهة بالآراء لكنها لن تسهم إلا بجعل الفرد مندغماً مع المجموعِ الذي يحمل هذه المهمة الملحميّة على عاتقه أبداً: رسالة السماء، رسالة الأمة، أو حراسة الهويّة من التلف.

وهذه الأعاقة (غياب الرأي) ترسختْ أكثر فأكثر بسبب السلطات الحاكمة التي كان من مصلحتها استثمار القداسة المنطوية في تسفيه الرأي الإنسانيّ بإزاء مقاصد الشرع وطرق الوصول إليها (أي كل ما يشكّل الحقيقة المشرفة من عليائها على الجميع والتي هي أكبر وأكثر قدسيّة من كلّ ما يمكن للإنسان أن يجترحه).

لم تكن الغايات وحدها هي موضوعات هذه الحقيقة ولا المقاصد الشرعية فحسب وإنما الجملة المكوَّنة من الوسائل ومن التبريرات والإعدادات الثانوية كذلك، فنحن لم نعطَ القدرة على التحكّم بتخليق الغاية من الحياة أو إبداء رأي فيها، تلك مهمة أعفتْنا الأديانُ من إتعاب أنفسنا في ملاحقتها، إلا اننا لم نُمنَحْ القدرة على تجريب الوسائل للوصول إليها كذلك، أي لم نعطَ كلّ ما هو في وسع الإنسان وفي محيط اجتهاده وقدرته، فإذا كانت العدالة والمساواة في الدنيا والخلاص في الآخرة هي غايات الإسلام فإن طلب هذه الغايات لا يمكن أن يكون متبايناً بتباين الناس منوطاً بآرائهم وإلا بطل عقد المجموع وانتفت الحاجةُ إلى نصّ أولّ تُغتَرَف منه الأقوال، وزمنٍ أصليّ تُطابق معه الأعمالُ، وشخصياتٍ ـ رموزٍ كانوا سلفاً صالحاً عند قوم فهم (كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم) إذ لا هداية إلا بالاقتداء، وهم معصومون عند آخرين، والعصمة هي خزانة الأفعال المقدسة الواجب التماثل معها.

هذه الهوّة المأساوية بين عيش الواقعة (التي لا ترحم من به هذا العوَق والتشوّه العقليّ المتمثل بتغييب الرأي) وبين نشدان المُحال هي التي كانت تضخّ على الدوام أعرافاً تضفي طابعاً أبدياً، بل قدسيّاً، على غرائز منحطّة، لا لشيء إلا لأنها وقعتْ في زمنٍ تقدّس كلُّ ما فيه ومَنْ فيه من شخوص ومعتقدات.

ولا عجب فلو تُرك الإنسانُ ووسعه أي وما يمليه عليه وقته لعرف عمقَ مقولة ماركس: (إن الإنسانية لا تطرح على نفسها إلا المهامّ التي يمكنها حلّها، بل إن المهامّ لا تظهر إلا حين تتوافر الشروط الماديّة لحلّها أو انها على الأقل في طور التكوّن).

غير أن نفوذ الأمس الذي كانت السُنّةُ أجلى تجلياته مَنَحَنا المهمّةَ والشروطَ الواجبة لتحقيقها معاً، وهذه المهمات والوسائل شكّلت على الدوام بنى غير قابلة للإرجاع إلى مقولات إنسانيّة بل هي ركائز لا تمسّ، وبها يتمّ تفسيرُ كلّ ظاهرة مستحدثة.

عجزٌ وأهداف ملحميّة:

مأساوية الفكرة الإسلامية (كما في التيّار الجهاديّ اليوم) أنها قائمة على مصادرة لا سبيل إلى الفكاك منها، مصادرة تتمثل في أن الحلّ الذي يقترحه الإسلام يمكن أن يتمّ بلا رأي إنسانيّ، بدون تدخل ذات فاعلة قادرة على تكوين آراء، بل هي يلزمها لتتحقق، مجموعةُ ذوات مؤدية لفعل الحقيقة كما عرفناها وألفناها إلى الحدّ الذي باتت (معروفاً) والحياد عنها هو (المنكر).

 خذ مثلاً تلك الغريزة التي كانت سبباً في جرائم (الزواج) من فتيات لم يبلغن العاشرة من أعمارهنّ، لنسمّها غريزة (لوليتا) استذكاراً للعمل الروائيّ العظيم الذي كتبه فلاديمير نابوكوف، تجد ان هذه الغريزة تتفتّح في المناطق التي يكون للمجاهدين سطوة عليها، في أفغانستان سابقاً (والقصص على ذلك مؤسية إلى حدّ ان فيلماً أفغانياً شهيراً تناولها وسنتطرق إليه لاحقاً)، وفي إمارة الفلوجة الإسلامية اليوم يحدث الشيء ذاته، على مارواه آباء هاربون ببناتهم الصغيرات من شبقِ المجاهدين.

مع غياب السلطةُ وانكسار الشِرعة الأخلاقيّة التي كان القانون يسهم في تكوينها، ينسحب الحسُّ الإنسانيّ "المستقى أساساً من ثقافة الحاضر وأنماط فن العيش الحديث"، ينكسر كلّ ذلك لتظهر الحقيقة عارية، الحقيقة التي تنصّ على أن لا حقّ ولا رأي ولا أخلاق إلا ماكان مستمدّاً من الشرع. والشرعُ لا يخالف إغتصاب هاته الفتيات، بل يحضّ عليه بدليل أن الرسول نفسه تزوّج عائشة وهي في عمر هذه البنت التي زُوّجتْ عنوةً (في فيلم أسامة) من شيخ طالبانيّ كأنه الشيطان.

لو جادلتَ مسلماً عن هذه المسألة وأردتَ أن تصلَ وإياه إلى أمر سواء، أن تشجب الفعل وتنزّه شخص الرسول الكريم في آنٍ واحد، ستقول له: أن الرسول إنما فعل ذلك لأنّ عُرفاً وقانوناً أخلاقيّاً آخرَ مختلفاً جعل من فعله مستساغاً آنذاك بل وربما مرغوباً، وان هذا النظام الأخلاقيّ انتفى الآن ولهذا يبدو الفعل لا إنسانيّاً، ستجابَه بهذه النواة الصلبة التي ترى في فعلٍ أرتُكِبَ قبل ألف وأربعمائة سنة ملزِماً هو وكلّ ما يحفّ به، هو ومتعلّقاته، دون أية إمكانية لتأويله، أي دون إمكانية لتدخلٍ من رأيٍ إنسانيٍ كان على الدوام وما زال مثارَ سخرية.

المعجزة الجديدة للإسلام:

الحريّة ذات معنى تأريخيّ ولهذا هي فاعلة، لكنها فُهمتْ لدينا على الدوام باعتبارها إفلاتاً من نظامٍ ما، ولا عجب بعد ذلك أن تكون الحريّةُ هي التي أملتْ على الشيخ ابن لادن قتلَ اربعة آلاف إنسان. هي حريّة الخروج من نظام أخلاقيّ ما، وكم تُماثِلُ هذه الحريّةُ اللادنية حريّةَ أحزابنا القوميّة، بل حريّة الحداثة الأدبية لدينا والشعرية منها تحديداً، غير ان لذلك حديثاً آخر.

الحريّة والرأي الإنسانيّ الحرّ والمسؤول يفضيانِ بالضرورة إلى إعلاء كلمة الإنسان فوق كلّ كلمة، وما مصطلح الإنسانية الذي  اجترحه الغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان يعني (الجهد المبذول لرفع الكرامة الإنسانيّة) إلا نتاج عصر الأنوار الذي افتتحه "كانت" بتأكيده على أن للانسان مكانة مركزيّة لأن له القدرة على انجاز أفعال حرّة وإرادية، أيباختصار لأن له رأياً.

هذه القوّة الخارقة التي أغفلناها بعونٍ من عوقنا التأريخيّ هي القادرة على بناء العالم، وبغيابها نفتح الباب مشرعاً لكلّ الهوامات المتوّلدة من عجزنا العميم وأهدافنا الملحميّة الكبرى، هذه الهوامات لن تجد متنفَساً لها إلا باخراج الغرائز البدائيّة إلى النور وارتكابها بوصفها أفعالاً مقدسة.

إضفاء القداسة على أحطّ الغرائز سيكون هو شكل حريتنا الجديدة، فنحن أحرار بمقدار ما نكسر نظاماً أخلاقيّاً لم تقدّسه الكتب ولا السنّة. بل سيغدو الأمر أشبه باجتراح المعاجز. فاذا ما عرفنا مقدار الكراهية التي يبديها الجهاديّون لكل معنى باطنٍ وعميق في الإسلام (هذا العُمق كان مادة الكرامات على مر التاريخ) ككراهيتهم للتصوّف مثلاً، ورسالة الزرقاوي في ذمّ الصوفية معروفة حيث وصفهم بقوله (وأقصى همّهم حلقةُ ذِكْر وعشاء دسم يعقبها)، إذا ما أدركنا هذه الكراهية لكل فعل وقول عميقين نعرف ان الإسلام الجهادي يطلب معجزته في هذه الأفعال المناقضة لنظام أخلاقيّ أنسانيّ (انسانيّ لأنه نتاج آراء إنسانيّة هي التي خلقته) وغير مرغوب (غير مرغوب لأنه غير منصوص عليه).

كانت المعجزة في ما مضى خرقَ الطبيعة، وهي اليوم خرقٌ للأخلاق.

كراهية المسلم المجاهد لنظام الإنسانية الأخلاقيّ نابعة من هذا الجرح الذي لا يندمل: أن مقولات العدل والمساواة التي نادى بها الإسلام بل الأديان بعامة يمكن أن تؤدى وبشكل فعّال ومثمر بطريقة ليستْ إسلامية، أي غير منصوص عليها، أي غير مقدّسة.

هذا الأمر جعل من رأسمال المسلم الروحيّ خاوياً (ورأسماله ليس سوى مقاصد الشرع وطرق تأديتها التي هي الحقيقة كلّها).وهو ما خلق بينه والعالم هوّة لا سبيل إلى ردمها إلا بمزيد من العنف وتفجير الغرائز كلّها وتقديسها.

فبعد غياب كلّ ممكن، بعد أن تغلق الأبواب، لن يكون هناك إلا الرأي الذي يمكن أن تتداوله ذوات حرّة وفاعلة ومسؤولة، هو المنقذ من الضلال.

 دون ذلك سيظلّ اليأس المؤدي للموت، إذ اليأس ممكن في كلّ الأحوال.

وهذا اليأس هو ما يغترف الإسلاميُّ من ينبوعه المسموم الذي لا ينفد.