كنعان مكية

ظپط§ط·ظ…ط© ط§ظ„ظ…ط­ط³ظ†

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
15/05/2016 06:00 AM
GMT




كان كتاب كنعان مكية "جمهورية الخوف" الذي تداوله العراقيون مطلع التسعينيات، حدثاً ثقافياً، ليس عند الذين عارضوا النظام في الخارج، بل ترك صدى أكبر داخل العراق. وصل الكتاب سراً إلى بغداد واستنسخ في كل مدنه. ومع أن المؤلف تستّر تحت اسم سمير الخليل، غير أنه عُرف على نحو أفضل بعد نشاطه المعارض في الخارج، وصدور أعماله وترجمتها الى العربية، "القسوة والصمت" و" النصب" وسواها. كان مكية في قلب النشاط الثقافي والسياسي للإطاحة بصدام حسين، وفتح له كتاب "القسوة والصمت " جبهات ساخنة مع الكتّاب العرب وفي مقدمتهم إدوارد سعيد. سمي بالخائن والعميل الأميركي الاسرائيلي، وأُبعد اسمه وهوجم في غير محفل عربي، ولكنه لم يعبأ ومضى في الشوط إلى نهايته.

ونحسب في وقتنا الراهن أن آخر كتب كنعان " الفتنة" الصادر عن دار الجمل، سيكون منعطفاً مهماً في أدبيات العراق السياسية، فهو خلاصة فن الاعتراف ونقد الذات في بعدها المرّكب: نوازعها الشخصية، وذاكرتها الموروثة، أو هكذا يتراءى للناظر، ولكننا لا يمكن أن ننظر إلى هذا النص باختزال، ونمنح مكية شهادة حُسن سلوك، أو بالعكس ندينه، فما يبحث عنه هو فرصة العراق الضائعة، هذا العراق الذي يجسد فكرة أكبر من الاشخاص والطائفة والانتسابات، وهي في النهاية، فكرة كلانية شمولية لا تختلف عن سابقتها كما يبدو، ولكن الاختلاف الذي يطالب فيه هو حرية الأفراد خارج القطيع، فهو يقول في هامشه: "حرية الافراد هي منبع كل الحريات السياسية" ولكنه يستأنف "ما أقصده هي روح المواطنة التي نفتقدها، حب الوطن الذي لا نرتبط به بصلات اخرى" وقدر ما تبدو الفكرة طوباوية، قدر ما تحوي في منطويات النص تفصيلات عن مفهوم العنف وما حوله وما خلفه من تصورات عن الرياسة والخيانة والطائفية والأخلاق.

لم يكن في هذه الرواية السياسية، أعداء تقليديون، ولا أصدقاء ومناصرون بالمعنى المتعارف، فالطاغية الذي كان موضوع كتب مكية الأولى، يصبح يوم إعدامه، يوما فاصلا في تاريخ المؤلف وتاريخ العراق، فهو فكرة وتجسيد لمعنى قبل أن يكون مجرماً، فمن حاكمه وأعدمه لم يكونوا قضاة عادلين، بل هم تكثيف لرثاثة وطائفية وبربرية حملتها الطبقة الجديدة التي حكمت العراق. لذا كان بطل رواية مكية حارساً من حراسه واستطاع صدام خوض حوارات معه، قبل ساعات موته الأخيرة، وكانت تلك الحوارات الدوستويفسكية تكفي كي تربط بطله بوقائع ذلك اليوم الذي عُلّق فيه صدام صباح العيد: " كان يقف هناك مجسداً الموت، موت الجميع وليس موته وحده. لقد ملأ حضوره المكان. سيبقى حاضراً، وحده فقط ، حتى ويداه موثقتان والحبل حول عنقه، وحتى مع وجود غوغاء يشتمونه وهم متعطشون لرؤيته معلقاً" . مكية يسجل ضرباً تاريخياً لتحول المعنى في الذاكرة الإنسانية، والمشاعر المتحررة من قيد الأفكار ووجهات النظر المسبقة التي نضفيها على مفاهيم مثل الوطنية والعمالة والخيانة والولاء. ومهما اختلفت مع مكية، لا يمكن أن تنكر أنه ابن الفكر الغربي الحديث الذي يمكن أن يؤخذ على أنه سُبة وعار، أو على انه يمثل بُعد العراق الجديد وملامحه الطالعة من بين ركام الجثث والمجازر والقتل. اختلاف مكية قبل هذا وذاك، ينطوي على عنصر مفهومي للعنف لا يحيد فيه عن نهجه الذي اتبعه في كل كتبه. لعله كتاب أخلاقي ويدرج في عداد الكتب التعليمية التي انتهى عصرها، فأعاد المؤلف الحياة لها.

عنوان الكتاب بالعربية " الفتنة" وهي مفردة مأخوذة من تسميات العداوة التي نشبت في الإسلام بعد مقتل الخليفة الثالث، واسم الكتاب بالانكليزية " The Rope" ويعني الحبل أو حبل المشنفة الذي عُلّق فيها صدام حسين بعد ساعات من تسلّم الحكومة الجديدة له.

كان المؤلف مساهماً في مشروع احتلال العراق، كما كان مشاركاً في فكرة إيلاء الاهتمام لوصول الشيعة إلى السلطة، وهو في هذا الكتاب، يلخص تجربة مريرة، مكث على مقربة من دقائق تشكّلها خلال أربع سنوات داخل العراق، وبقي على صلة بها بعد أن غادره. يمارس مكية نقداً لا يبقي ولا يذر لتلك التجربة التي يلخص مآلها بطله في واحد من حواراته: "ميتون شيعة أم سنة ، ليس للميتين طائفة" . من الصعب أن ننسب ما كتبه مكية على أنه نقد لتجربة ومصائر إنسانية، بل لعله حوار واستكشاف لما هو أبعد من التجربة، ربما معرفة الدوافع التدميرية أو العدمية في فكرة تشكل وطنا وأمة اسمها العراق.

ما هو الفردي وما هو العام في التجارب التي نخوضها؟ هذا هو سؤال كنعان في كتابه الجديد، وهو رواية توثيقية تضع يدها في وكر الزنابير كما يقال، أي داخل أسرار " البيت الشيعي" الذي يحكم العراق. ولكنها تعطي في النهاية درساً تاريخياً لمن يحسب نفسه قادراً على هجاء الطائفة الأخرى المخالفة لطائفته، فلا بطولة لمثقف يمثل صوت راعي القطيع، وشاعر القبيلة، مهما كانت قوة حجاجه ورجاحته، فهو لن يخرج أنفه خارج غطاء الجماعة، وهذه الجماعة في بعدها الطائفي تمثل صوت الرعاع والسوقة، مهما تباهت بمستويات قولها. ولطالما قال مكية إنه شيعي الثقافة، على خلاف المثقفين غير المؤمنين، ولكنه في هذا الكتاب يقدم كشفاً بما لا يجرؤ غيره على قوله، فهو يحمل كل مرارات الواقع الذي أمعن الإسلام السياسي الشيعي في مسخ صورته وتشويه كل قيمه.

الكتاب رواية وملحق يفسر ما تعنيه السنوات التي قطعها مكية في نشاطه الفكري والسياسي بعد أن عاد إلى العراق، فهو لم يكن يطمح بمنصب أو حصه في عراقه الجديد، بل كان راصدا لتحولات العنف في بلده، من أجل عراق كما حلم به. غير أن كتابه الجديد لا يتحدث عن الأحلام، بل عن الحقائق التي استقاها من مصادرها الأصلية، في بحث وتوثيق.

الطعنة الأولى التي تلقاها مكية وأيقظته من حلمه، كانت مقتل مجيد الخوئي، الذي دخل العراق مع البريطانيين، فقد كان مقيماً بلندن بعد أن أسهم في انتفاضة الشيعة الفاشلة العام ١٩٩١ وهرب من النجف. الخوئي رجل الدين وابن المرجع الأعلى للشيعة الذي سبق السيستاني، ليس صديق مكية بالمعنى المتداول، بل هو شبيهه في فكرة الولاء، والبطل في الرواية يسأل ويجيب: "من هو هذا الرجل؟ إنه نحن، إنه كلنا، إنه أنا" . عاد مجيد الخوئي إلى النجف، فمزقت الخناجر جسده أمام ضريح الإمام علي، وكانت الإشاعة التي أباحت دمه: التعاون مع المحتل. ومع ان التعاون مع المحتل، مارسه كل الذين وصلوا السلطة بفضل غزو العراق، غير أنهم تستروا على مقتل رفيقهم في تحالف المعارضة التي سبقت الاحتلال. الخيانة والغدر ستكون تحت بؤرة القول الروائي.

الأبطال الثلاثة الشباب الذي يطل المؤلف من خلال نافذتهم على أهوال العراق، هم من جيش المهدي أو "جيش الإمام" كما تسميهم الرواية: البطل الرئيسي قارئ ذكي ويعج رأسه بالأسئلة، والثاني مقاتل يخلص لفكرته حتى ولو نظر بمرارة إلى واقعه، والثالث مُعدَم شبه أمي ولكنه يملك براءة وطيبة تؤدي به إلى الموت العبثي. هم أفضل ما في هذه المليشيا كما يقول المؤلف، فدورهم في الرواية قبل كل شيء ليس تمثيل الجانب المظلم في تلك المجموعة، قدر ما يهدف خلق حوار داخل عوالمهم ، هذا الحوار يشمل أفكارهم، هواجسهم، إيمانهم، شكهم، ولاءهم، إجرامهم وبراءتهم، وكل تلك الحوارات تتمحور حول ما يمكن تسميته، العراق الجديد. العراق الذي تكوّن من ٢٦٨ تنظيما مسلحاً، وكلها تحمل اسماء الله الحسنى و اسم نبيه أو صحابته.

يقول المؤلف في ملحقه، إن صورة أبطال روايته انبثقت من معايشة ونقاشات واستجوابات، أي انهم أقرب إلى الواقع، عدا شخصيتين متخيلتين: صدام حسين ومقتدى الصدر.

تتبع الرواية نهجين متوازيين: الحبكة البوليسية، والحوارية المنهجية، والثانية تعتمد الحجاج والمنطق، حيث الماضي يسير بموازاة الحاضر، والذاكرة مقابل النسيان، والانتقام قانون الاستباق، وأبعد ما يصله الناس لا يفضي بهم إلى فكرة تشكّل الوطن.

فكرة الرواية تتمحور حول الخيانة والقتل، والثواب والعقاب، وكلها تدخل في باب الاعتقاد، ولكنها ايضا عن حكاية الزمن وتبدله في العراق، فهناك ثلاث عوائل تقاسمت البيت الشيعي وتقاتلت عليه، كما يقول الراوي ويقول الواقع: الخوئي والصدر والحكيم. وإن تنحّت عائلة الخوئي بمقتل عميدها الذي رجع مع الاحتلال. فالصراع بدأ بين العائلتين المتبقيتين بعد الاحتلال: الحكيم والصدر. الأولى يصبح رمزها مقتدى ابن العراق الذي لم يخرج منه، ابن الداخل الذي شهد مقتل ابيه واخوته وعاش مرصودا داخل مربع صغير لم يخرج منه. هو بالأحرى، يمثّل في الرواية صورة العنف العراقي المنفلت، لأنه أمر بمقتل الخوئي، وأطلق العنان لمليشياته خلال الحرب الأهلية . وعائلة الحكيم التي هربت الى ايران بعد أن صفى صدام الكثير من رجالها، وهي تمثل المرجعية المضادة التابعة الى ايران قلبا وقالبا، بما فيها تنفيذها خطة ايران لتصفية ضباط القوة الجوية العراقية خلال الحرب الأهلية. أما السيستاني، فهو نطفة رحمانية عابرة الانتماءات الفرعية للطائفة كما تصورها الرواية. وفي داخل التكوين الأعلى لمركزية المكان تتفرع الاعتقادات بين الأجيال: حيث أب البطل المغيب في سجون صدام حسين كان محاربا في الجيش العراقي ضد ايران وحاملا لنوط الشجاعة، والهارب من سوح المعركة بعد حرب الكويت والمشارك في الانتفاضة. وجّد البطل لأبيه الذي كان صاحب عقيدة شيوعية في الماضي، وأمّه قارئة الكتب التي تخاف عليه من الخارج ومؤامراته، وعمه راعيه والمنخرط في قيادة جيش الإمام، والرفض للهيمنة الايرانية، والذي يكتشف البطل في النهاية على نحو تراجيدي، إنه لم يكن سوى مخبر عند أمن صدام حسين.

رحلة التحول عند البطل الذي لا يُذكر اسمه، تتشكل من كل تلك المكونات التاريخية، مكونات العراق المتداخل بين الواقع والخرافة. فالشباب الذين اصطيدوا كالذباب في معارك نافلة، كانوا ينتظرون المخلّص، المهدي المنتظر الذي اشتقت من اسمه عشرات التسميات التي مُنحت لمواليد عراق صدام حسين. ولكن فكرة المظلومية ، مظلومية الشيعة كانت ورقة الاستثمار الأكثر نجاحا عند الساسة الذي يسميهم بطل مكية " عصابة الثلاثة عشر " حيث قدموا من الخارج على رأس أحزابهم، فولاهم بول بريمر امر إدارة السلطة، ليحصدوا ثروات العراق ويحولوه إلى أرض خراب.

هل نحتاج كتابا جديدا يستأنف فيه مكية ما اعتقده في كتابه عن مشاركة الأميركان في صنع هذه التشكيلة رغبة أو اضطرارا، وهنا تكمن الدراما او المأساة التي لم يتطرق إليها المؤلف إلا على نحو سريع. فهو يرى ان المآسي من صنع العراقيين وحدهم، وهذا يحمل الكثير من الصحة، بيد أن العراقيين كانوا خلال سنوات الحصار المرة، أحوج إلى قدوة بعد أن فقد صدام حسين بريقه كقائد حتى عند مريديه. ولم يقدم لهم المحتلون سواء بعنفهم المفرط، أو سرقاتهم وتعاطيهم الرشوة وفظاعاتهم التي ارتكبوها سرا وعلنا، سوى إمثولة بانعدام القيم، لم يقدموا سوى ايمان مطلق بالعدمية عند العراقي. لعلها جدلية قابلة للنقاش بل يمكن تحويلها مسرحاً يرتدي الناس فيه مختلف الأقنعة، ويمكن أن تتعدى فيها أفكار الاحتلال والتحرير، كل الإشكالات الشعاراتية الساذجة في استخدام الكلمات.

ناظم كتاب مكية يقوم على مفهوم التحول، تحول الأفكار والقيم، وهي عمليه تتجاوز الأخلاق العامة، إلى ما هو جوهري في صراع الصبوات الإنسانية مقابل المصالح. لعله الزمن الذي أراد إيقافه مكية كي يمسك بتواريخه قبل ان تمحوها التجارب الجديدة. واليأس أفضل عنوان يملكه مثقف مثل مكية كي يسوي أرضاً وعرة مليئة بالفخاخ، مثل أرض العراق.