شباب يصنعون الجمال على الجدران الصماء في بغداد

المقاله تحت باب  قضايا
في 
24/06/2016 06:00 AM
GMT



نقاش / سار ة القاهر

تحرّك مجموعة من الشباب الموهوبين بالرسم لتلوين عدد من الحواجز الكونكريتية في بعض مناطق بغداد وهم يسعون بذلك إلى منحها روحاً مختلفة وهدفا غير ذلك الذي شيدت لأجله في عزل المناطق وتكوين حاجز أمني بينها.
 
يحاول بعض الشباب في بغداد منح مشهد الحواجز الإسمنتية الذي يقبض النفوس شيئاً من الحياة والجمال عبر فرشاتهم والوانهم التي تحاكي عمق الحياة في أعماقهم.

 وفي هذا الاطار اتفق عدد من طلبة معهد الفنون الجميلة الذي يضم رسامين وخطاطين على نفض الغبار عن جدران العاصمة وتنظيفها وتلوينها وغسل آثار الانفجارات عنها.

 يشارك العديد من الشباب الذين يجيدون الرسم بحملة التنظيف والرسم هذه وجذبت هذه الحملة  كثيرا من الشباب الآخرين ممن لا يجيدون الرسم لكنهم يشاركون فيها بهدف بث الحياة في بغداد.

 يعود استخدام الرسومات على الحواجز الإسمنتية في بغداد إلى عام ألفين وخمسة عندما اشتعلت نار الطائفية في العاصمة والتي دفعت الحكومة إلى تقطيع جسد المدينة وفصل المناطق بعضها عن بعض بجدران إسمنتية كثيرة.

 زينب الحلي رسامة وطالبة في معهد الفنون الجميلة تتحدث عن فريقها التطوعي وتقول إنها وزملاءها يقومون بالرسم على الجدران والحواجز بعد رفع النفايات وإزالة الإعلانات الملصقة على الجدران وإعادة ترميمها وصبغها.

 زينب تؤكد ان الهدف من تلك الرسوم هو الدعوة الى السلام والوحدة والتكاتف ونبذ العنف والقتل ودعم القوات الأمنية في معارك التحرير فضلا عن نقش شعارات وطنية مستقلة.

 وتضيف زينب أن هذه المبادرة الشبابية جاءت بجهد ذاتي ولا توجد جهات داعمة لها ويتم جمع المال بين الشباب أنفسهم لشراء المواد المطلوبة للرسم، لافتة إلى أن المشاركين من كلا الجنسين وحسب المواهب.

 وتابعت زينب حديثها بأنها قامت برسم نوتات موسيقية تعبر عن النشيد الوطني العراقي على جدار الجامعة المستنصرية.

 ليث صبري وهو احد الشباب الرسامين المشاركين بمثل هذه المبادرة قال إن الحملات تبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك اذ يتم الإعلان عن الحملة وموعدها والغرض منها بغية فتح باب انضمام عدد كبير من الشباب لها.

 ويعرب صبري عن سعادته لمشاركته بهذه الحملات الشبابية والرسم على الجدران لأنه يقدم بذلك شيئا ولو كان بسيطا الى وطنه كما يقول.

 ويلفت ليث هذا الشاب المتحمس الى ان بعض المواطنين يستهزئون بهذه الحملات ويعتبرونها عديمة الجدوى وانها لاتسمن ولا تغني من جوع بسبب الأزمات الحادة في البلاد على ان سخرية البعض لا تكسر عزيمة الشباب.

 ويضيف أن الهدف من هذه الحملات والرسوم هو بث روح التسامح والجمال، ويحث الجميع على الالتزام بحب الوطن والخير اضافة الى عرض مواهب الشباب في الرسم بعد الإهمال الحكومي للشباب الرسامين والفنانين.

 ويستطرد في حديثه عن سرد تفاصيل هذه المبادرات والحملات بالقول إن التجربة بدأت بعد أن اتفق معه أربعة من الشباب على إنشاء صفحة في موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك أسموها ببصمة خير.

  ويصف الصفحة بأنها متنوعة وتتضمن توزيع المساعدات على الفقراء والمحتاجين والقيام بتنظيف الشوارع وتلوين الجدران والرسم على الحواجز الإسمنتية وإزالة النفايات والأنقاض.

 ويواصل أن عدد المتطوعين لهذه الحملة ازداد حتى بلغ أكثر مئة وخمسين متطوعا وان هذا العدد قابل للازدياد اذ اعرب كثير من الشباب عن رغبتهم في الانضمام لهذه الحملات في العطلة الصيفية.

 التشكيلية مها القيسي كانت من أوائل الشباب الذين انضموا إلى الفريق وقامت برسم ثلاث عشرة لوحة على الجدران منذ تأسيس الفريق.

 تقول مها إنها تشعر بالفخر والسعادة والابتهاج لتركها رسوماتها على جدران العاصمة فهي بالنسبة لها تعني بصمة ذاتية وإنسانية في آن معاً.

 ويتجمع الشباب كل شهر بعد أن يتم الاتفاق على تحديد مكان التجمع على موقع التواصل الاجتماعي والعمل الذي سيقومون به.

 وبعد تسجيل أسماء المتطوعين يؤخذ من كل متطوع عشرة آلاف دينار او اكثر قليلا لشراء المعدات التي يحتاجونها بعملهم ويتوجهون بعد ذلك الى المنطقة المحددة للعمل التطوعي.

 وبخصوص مدة العمل التطوعي وأوقاته تقول مها إنها قد تمتد لأكثر من اسبوعين وفي الغالب يكون وقت العمل بعد غروب الشمس بسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل لا يطاق.

 مها تشير الى ان أكثر المواطنين لا يهتمون بنظافة الحواجز او الشوارع  ولا يكترثون لجهودهم اذ سرعان ما تعود المناطق التي يقومون بتنظيفها وتلوينها الى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة.

 وعن مواضيع الرسوم التي يختارها الشباب في حملاتهم تقول مها  إنها متنوعة ومرتبطة بمعالم عراقية وبغدادية مثل الشناشيل والنخيل والمناظر الطبيعية.

 وتؤكد ان الشباب لا يتركون أي حاجز إسمنتي من دون تلوين بهدف إخفاء لون الجدران الباهت الذي يبعث الحزن والكآبة.

من جانبها قالت منال الصالح التدريسية في الجامعة المستنصرية إنها تشعر بالفرح الشديد جداً لرؤيتها شبابا متطوعين يقومون بأعمال رائعة تكسي الجدران الباهتة بالجمال.

وتبين الصالح أن الورود التي تم رسمها على الجدران تحقق أهدافاً نفسية بين المواطنين  وتحثهم على ضرورة الاهتمام بمدينتهم.

وتضيف الصالح أن الشباب من الرسامين المرهفين عندما توجهوا إلى ثكنات الحواجز الكونكريتية  أرادوا أن يسبغوا جمالية الفرح على قتامة الحجر، والبهجة في عيون البغداديين التي تستمتع حتما بانعكاس صور السلام اللونيّ.

ووصفت الصالح الشباب الرسامين بانهم مقاومون اصلاء لوباء الإرهاب والتكفير والطائفية وان ليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن تصف رسومات الشباب بأنها أجمل وأروع من جميع الرسوم لأنها نابعة من رغبة عارمة في الحب الحياة والرغبة الصادقة في بلسمة جرح العراق العميق.

شيماء مطر ناشطة في منظمات المجتمع المدني قالت انها تكبر في هؤلاء الشباب استقلاليتهم عن أي جهة سياسية او حكومية ولا هدف لهم سوى اشاعة الحب والسلام والجمال واعادة الحياة الى الشارع والغاء مظاهر العنف قدر الامكان.

شيماء أضافت ان العمل التطوعي لهؤلاء يعطي درسا رائعا في الحب والجمال والسلام والتلاحم الوطني وهذه المفردات تغيب عن كثير من اسماء المشهد السياسي.