سامي مهدي: كتابة القصيدة مزيج من الوعي واللاوعي

ظ…ظ†ظ‰ ط­ط³ظ†

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
07/09/2016 06:00 AM
GMT




في الزمنِ الذهبي من عمرِ القصيدةِ العراقية كان مولدُه الشعري، شاعرٌ مسكونٌ بوحي المختلفِ من الكلام، له على كُلِّ شرفة معرفة قنديلٌ يُضيءُ المسافاتِ ويؤثث الأمكنة بتجلياتٍ إبداعية ثرّة، ائتلف فيه الشاعر والناقد والصحافي في تشكيلٍ لا يشبه سواه من المثقفين العراقيين، فكان الشاهد والدليل الذي لا غنى لك عنه في قراءة واقع الثقافة العراقية على امتداد عقود زاخرة بالكثير من التفاصيل، إنه الشاعر، والمترجم والصحافي العراقي سامي مهدي الذي فتح لنا قلبه عبر الأثير الأزرق فكان هذا الحوار..

الميلاد.. النشأة وذكريات الطفولة

- ليس في حياتي ما هو مثير أو غريب. فأنا مثل سائر من عاصرت من أطفال العراق. ولدت في كرخ بغداد عام 1940. وكان أبي عاملاً فقيراً من عمال شركة الزيوت النباتية، فُصل من عمله في هذه الشركة لسبب لا أعرفه، وأرجح أنه سياسي، ولكنه ظل فقيراً حتى بعد أن فتح له دكاناً صغيراً خاصاً به يمارس فيه حرفة السمكرة، واستمر على فقره حتى النهاية. كنت وحيد أبويّ. ولكنني عشت حياة الأطفال العراقيين في جيلي على سعتها وشاركت أطفال الحارة في ألعابهم، ومع ذلك كان الشعور بالوحدة يعاودني في البيت، فلم يكن فيه سوى أمي، وأمي شبه متفرغة لشؤون بيتها، ولذا كنت أنزوي في غرفتي وأبحث فيها عما يسليني ويملأ الفراغ الذي كنت أحس به، قبل اكتشاف عالم الكتاب والمجلة. لم أكن طفلاً مدللاً ، وكان أبواي يحرصان أشد الحرص على تربيتي تربية مستقيمة، ويراقبان سلوكي خارج البيت.
كان أبي يقرأ ويكتب بصعوبة، أما أمي فكانت أمية لا تعرف القراءة والكتابة، كسائر الأمهات العراقيات في تلك الحقبة، ولكن كلاً منهما كان يرتجل البيت والبيتين بالعامية العراقية حين يجيش صدره بفرح أو حزن، وما زالت ذاكرتي تحتفظ بأشتات مما قالاه. على أن أبي هو من قادني إلى أبواب عالم الكلمات. ففي السنة الرابعة من عمري علمني الحروف الهجائية، ثم علمني كتابة اسمي واسمه، وكلمات أخرى مما يعرف كتابته، فأحسست إحساساً غامضاً بأن وراء كل كلمة، وكل حرف من حروفها، سراً من الأسرار، وباباً يختفي وراءه عالم سحري عجيب جندت خيالي لاكتشاف أسراره.
في الخامسة من عمري قرر أبي أن يرسلني إلى الكتّاب، فألحقني في بادئ الأمر بكتّاب نفرت منه بعد يومين، ربما لبعده عن بيتي وعن دكان أبي، فألحقني بكتّاب آخر ارتحت له وصرت من تلاميذه المواظبين. وهناك، بين نحو أربعين تلميذاً، بدأت أكتشف العالم الذي كنت أبحث عنه بلا وعي مني. فقد تعلمت القراءة والكتابة، والعمليات الحسابية الأربع، وحفظت أجزاء كثيرة من القرآن، في أقل من سنتين، وبرزت في ذلك بين أقراني، ومن أيامها شغفت بالقراءة وعالمها الرحيب وصرت أقرأ كل ما تقع يدي عليه.

■ ذكريات مقاعد الدراسة التي ما زالت مضيئةً بقلبك، وأهم الأصدقاء من المراحل الدراسية..
□ دخلت المدرسة في العام السابع من عمري، وتنقلت خلال مرحلة الدراسة الابتدائية بين أربع مدارس، لي في كل منها ذكريات وذكريات، ولكن مرحلة الدراسة المتوسطة كانت مرحلة التأسيس في حياتي الأدبية والفكرية. فقد أقبلت في هذه المرحلة على القراءة بنهم شديد، وأظهرت تفوقاً استثنائياً في دروس اللغة العربية، فكلفني مرشد الصف، وهو مدرس الرياضيات، بتحرير جريدتنا الجدارية «في سبيل الرشاد» واكتشف مدرس اللغة العربية أنني شاعر، وأجاز لي نشر أولى قصائدي في تلك الجريدة، واهتديت بفضله إلى مجلة «الآداب» اللبنانية فتتلمذت عليها، إن جاز التعبير، وعلى صفحاتها تلقيت دروس الحداثة والتحديث في الأدب، أما أصدقائي فكلهم مهمون عندي لأنهم أصدقائي، التقيت بهم في مرحلة الدراسة الثانوية منهم أدباء كالقاص الراحل موفق خضر والشاعر الراحل مثنى حمدان، ومنهم من أصبحوا أساتذة جامعيين كعبد الأمير عبد المنعم الأعسم وحسام النعيمي وزكريا سعيد البيطار، ومنهم من أصبحوا قادة عسكريين كالمرحوم الفريق الركن عدنان خير الله، ولكن سبل الحياة تفرقت بنا بعد حين، وتكونت لي صداقات جديدة.

■ أرِنَا بغداد بعيون سامي مهدي..
□ بغداد؟ بغداد تعيش في دمي، وإذا حاولت أن أقول شيئاً عنها فسيكون إنشاء رديئاً مكروراً، يكفي أنها بغداد بكل عظمتها وبهائها، يكفي أنها مدينتي، فيها ولدت وفيها أموت.

■ ماذا عن أهم المشارب التي استقيت منها تجربتك في مرحلة التشكُّل المعرفي كشاعرٍ وناقد؟
□ كنت أقرأ بنهم، أقرأ طوال ساعات متصلة، وأتابع المجلات الأدبية والثقافية، العراقية والعربية، بحرص شديد. وكانت قراءاتي أدبية خالصة في البدء، ثم اتسعت وتنوعت منذ شبابي المبكر، فشملت التأريخ والسياسة والاقتصاد والفلسفة وغيرها. قرأت لأهم الشعراء والأدباء والكتاب العراقيين والعرب والأجانب، من مختلف الهويات ومختلف العصور، ولاسيما عصرنا هذا. وقرأت كثيراً في تاريخ العرب قبل الإسلام وتراث العرب الشعري والأدبي والفكري. هذه القراءات المتنوعة هي التي شكلتني على الصعيد الأدبي والمعرفي، ولكنني كنت أقرأ بعقل نقدي يقظ وحر، فلم أكن أستسلم لما أقرأ أياً كان مصدره، لم أكن أقبل الأفكار والنصوص على ما هي عليه، بل أتساءل، وأنقد، وأرفض، ولا أقبل إلا بعد قناعة، وإذا اقتنعت اليوم فقد أعيد النظر في ما اقتنعت به غداً، إذا ظهر لي ما يزعزع قناعتي.وبعد هذا، لا أستطيع أن أحدد من تأثرت بهم. فلأقل إنني تأثرت بمصادر متنوعة، ولكنني أعجبت في صباي المبكر بشعر عبد الوهاب البياتي قبل غيره، وأخذت بلغة الدكتور طه حسين، وعندما قرأت الفلسفة في شبابي المبكر تأثرت قليلاً بالفلسفة الوجودية، فقد كانت فلسفة تلك الحقبة.

■ كنت من رواد فترة الستينيات في القرن الماضي، التي شكلت منعطفًا مهمًا ليس في الشعر العراقي وحسب، بل في الشعر العربي عامةً، وكان انبثاق نهر التغيير من العراق، حدثنا عن رؤيتك لتلك الفترة.
□ لي عن حقبة الستينيات كتاب عنوانه «الموجة الصاخبة» رأيت فيه أن الشعراء العراقيين الذين ظهروا في أواسط ستينيات القرن العشرين هم جيل جديد من الشعراء يختلف عن جيل بدر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، يختلف عنه في الحساسية، وفي تكوينه الثقافي، وفي مفهومه للحداثة والتحديث. فهذا الجيل الرائد توقف عند حد معين وأشكال محددة في تحديث الشعر، ورأينا نحن، وحاولنا، أن نكتب بأشكال جديدة معيارها الأول والأخير: الإبداع، وفكرت شخصياً بإصدار مجلة شعرية، فكانت مجلة «شعر 69»، وتعاون معي في إصدار هذه المجلة الشاعران خالد علي مصطفى وفاضل العزاوي، وأصدرنا بياناً شعرياً كتبه فاضل العزاوي، وشاركنا في التوقيع على البيان نحن الثلاثة الشاعر فوزي كريم، فأحدثت المجلة والبيان ضجة كبيرة في الوسط الأدبي، وعادتها بعض الأوساط الأدبية والسياسية، ثم لم تلبث أن أغلقت بعد صدور أربعة أعداد منها. على أن شعراء الستينيات أكثر ممن ذكرت، ففيهم آخرون من الشعراء المبدعين منهم حسب الشيخ جعفر وحميد سعيد وسركون بولص وعلي جعفر العلاق وغيرهم. وقد اختلف هؤلاء الشعراء في التفاصيل، أعني تفاصيل تجاربهم الشعرية، وإن اتفقوا في الرؤية العامة للتحديث، ولكنهم جميعاً كانوا نسغاً حياً وفعالاً في الشعرية العراقية والعربية.

■ شغلت عدة مناصب ثقافية وإعلامية مهمة، فهل كانت تلك الفترات إضافة لتجربتك الشعرية أم حسمًا عليها؟
□ قضيت أغلب سنوات عملي في الصحافة، فعملت في جريدة «الجماهير»، وجريدة «صوت العرب»، وجريدة «الشعب» ومجلة «ألف باء». وشغلت رئاسة تحرير عدد من الصحف السياسية والمجلات الثقافية، فقد أسست مجلة «شعر 69» وأشرفت على إصدارها، وترأست تحرير مجلة «المثقف العربي»، ومجلة «الأقلام»، ومن الصحف السياسية التي ترأست تحريرها: مجلة «ألف باء» الأسبوعية، وجريدة «الجمهورية» اليومية، وجريدة «الثورة» اليومية. وأعمالي هذه لم تؤثر على إنتاجي الشعري والأدبي، على الرغم من أعبائها الثقيلة، بل زادت أفقي اتساعاً وخبرة بالحياة والناس والمعرفة.

■ كيف تُقيّم القصيدة العراقية في ظل الأزمات والتغيرات السياسية والاجتماعية التي طوقت العراق منذ أكثر من خمسين عامًا؟
□ العراق غني بالمواهب الأدبية والفنية، من جيل إلى جيل. وهي قد تخبو أو تتوارى في حقبة ما تحت ضغط ظروفنا القاسية، ولكنها سرعان ما تزدهر وتتألق من جديد. وبعد الغزو الأمريكي للعراق مرت الحياة الثقافية بسنوات من التراجع والانطفاء، ولكنها اليوم في بداية ازدهار أدبي وفكري جديد رغم ما تعانيه البلاد من المحن السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هناك إمكانات ومواهب شاخصة، وأخرى واعدة، في الشعر والرواية والإنتاج الفكري والنقدي، وأنا أحرص على متابعة هذه المواهب، وأكتب عنها حين أجد ما يغريني بالكتابة .

■ ما رأيك في من يرى أن الشعراء هم الأحق بنقد الشعر من غيرهم؟
□ لست مع هذا الرأي. فالنقد حقل معرفي مستقل، له من يعنى به ومن يتخصص فيه، ولذا لا يجوز التهوين من شأن النقاد، إذ لا يمكن الاستغناء عنهم، ولا يليق بأحد الاستخفاف بدورهم في الحياة الأدبية والثقافية. أما الشعراء فيندر أن نجد فيهم من يستطيع أن يزاول النقد، ومنهم من لا يستطيع اكتشاف أسرار قصيدته، وبه حاجة إلى ناقد يبصّره بها!

■ رهانك الرابح على السهل الممتنع في قصائدك، ومراوحتها بين عمق ودهشة المعنى، وجمالِ وسلاسةِ المبنى، يجعلنا نتساءل عن تعريف مفهوم الحداثة في الشعر من وجهة نظرك
□ الحداثة تعني عندي مواكبة العصر والتعرف على ظواهره وخصائصه، ومتابعة تطوراته واستباقها إن أمكن. هذه هي الحداثة ببساطة، ودعينا من التنظير لها والتحدث عن تاريخها ومآلها الراهن تحت عنوان «ما بعد الحداثة». وأهم ما يميز الحداثة في لحظتنا الراهنة هو التحرر من الالتزام بقواعد معينة والثبات عليها، والانفتاح على أشكال جديدة من الكتابة الشعرية. وبقدر ما يتعلق الأمر بي شخصياً فإنني توصلت إلى قناعات خاصة، وصرت أكتب القصيدة كما تأتيني، قصيرة أو طويلة، موزونة أو غير موزونة، وإذا جاءت موزونة فقد تكون مقفاة بقافية واحدة، أو بقواف متنوعة، أو مدورة بلا تقفية. أما الألاعيب الشكلية، ألاعيب ما بعد الحداثة، فهي لا تهمني لأنها مقحمة على الشعر من خارجه، في رأيي، وهي ليست من الشعر في شيء.

■ متى تُلح عليك القصيدة؟ وكيف تُكتب؟
□ الشعر عندي مزيج من الرؤية والحلم والذاكرة، وكتابة القصيدة مزيج من الوعي واللاوعي، والقصيدة تبدأ عندي بفكرة تلمع في الذهن مثل لمع البرق، بفعل مشهد أراه، أو حادث أشهده، أو تجربة أعيشها، أو أي شيء من هذا القبيل. غير أنني لا أشرع في كتابة القصيدة في لحظة التماع الفكرة، وذلك لقناعتي بأنها ستكون سطحية وفجة، بل أدع هذه الفكرة أياماً وليالي، كثيرة أو قليلة، حتى تتفاعل عناصرها وتختمر، وتنبثق في لحظة ما انبثاق الينبوع، بلا خطة مقررة لكتابتها وتشكيلها، وهي عادة ما تكون لحظة من الصفاء الذهني والارتياح الجسدي. وحالما تنبثق وتأخذ سبيلها في الكتابة يبدأ الوعي بمراقبة حركتها، فيقيم لها مصدات تمنعها من الإندياح في شعاب تبددها أو تخل بتركيبها، لأنني أحرص على أن يكون لقصيدتي شكل واضح وبنية متماسكة تماسكاً عضوياً، لا إسهاب فيها ولا تطويل، ولا ضياع في التفريع والتفصيل، وأن تكون لغتها لغة مقتصدة متوترة، وذات كثافة دلالية مشعة، ترتفع بالجزئي الطارئ إلى الكلي الشامل، وبالمحدود إلى المُطلق.

■ هلا حدثتنا عن المشاريع الكتابية التي تعمل عليها حاليًا؟
□ لدي مشروعان صغيران هما كتابة دراستين إحداهما عن: التجريب في شعر بدر شاكر السياب، والثانية عن: المرأة الملعونة في الشعر العراقي المعاصر، وقد أنجزت من كل منهما نصفها أو أكثر وتوقفت في انتظار الوقت المناسب لإكمالهما. أما الشعر فأنا مواظب على كتابته.
عن "القدس العربي"