اللا أين بدلاً من شرور الـ (أين)

ظ…ظٹط³ظ„ظˆظ† ظ‡ط§ط¯ظٹ

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
03/08/2017 06:00 AM
GMT





 الآن في (اللا  أين) يكاد يخدم هذا(الإفراط في الحلم) فكرة الرواية خدمة كاملة، وهي فكرة  مثالية فنتازية عن (54) مهاجراً هارباً من بلد يشير  الكاتب إليه بصفاته،  دون تحديد اسمه. إذ يركب أولئك المهاجرون البحر للوصول إلى بر يحتمون به من  عسف بلدهم وجور الظروف الطائفية التي ألمّت به، فتضطرهم المخاطر للركون  إلى جزيرة نائية غير مأهولة، ينتظرون فيها يوماً أو يومين حتى تصبح ظروف  إتمام الرحلة مؤاتية.

في عرض البحر تصل سائقَ المركب أنباء أن شرطة السواحل في البلد الذي يهاجرون إليه يقتلون من يصل إليها في حال انقلاب القارب، فيقرر السائق أوزيل أغا التوقف عند جزيرة نائية ليترك بعض الركاب في ذلك المكان، ثم يغادر مع مجموعة أخرى عائداً من حيث جاء، على أن يأتي فيما بعد لاصطحاب الباقين. دانيال أو داني هو من يدّون يوميات هذه الرحلة، وأمجد هو المفكر  الذي سيقود دفة الأحداث منذ اللحظة التي أعلن فيها قراره البقاء في تلك الجزيرة النائية، حتى وإن وفّى أوزيل أغا بوعده وعاد إليهم.. وفعلاً عاد سائق المركب إليهم بعد أيام ليجد (25) منهم قرروا البقاء في ذلك القفر النائي. بدأ أمجد بنفسه أولاً، ثم شيئاً فشيئاً تتسع دائرة الاقتناع بفكرته الجنونية، فالجزيرة فيها عين ماء وتفاح وعنب وحطب وبحر لصيد السمك.. ويمكن فيها البداية من الصفر بعيداً عن بلدهم الذي سيطرت عليه الشرور والانتماءات الضيقة فما استطاعوا تغييره لا بنضال جمعي ولا بنضال فردي..
    لماذا تعذر عليهم ذلك؟ لأن النضال، وفقاً لأمجد، يبدأ بفرد ثم ينتقل إلى الجماعة، ومتطلبات هذا النضال ليست نزهة.. بل هي قاسية جداً وكلها متاعب.. وتسهب الرواية في تدارس حيثيات هذا الطريق الوعر،  إلى أن تثير الرواية السؤالَ المشروع: أيهما أصعب؟ أن يركب الإنسان القانط هذه الصعاب، التي تقترب من المستحيل،  للبحث عن مكان بديل في جزيرة معزولة والبدء من الصفر، أم أن تكون جذوة النضال مضمومة مدخرة بداخله فيبذل جهداً إضافياً لتغيير واقع بلاده عسى أن يتحقق توقه في التغيير نحو حال أفضل؟ المفروض أن الخيار الثاني هو الأقرب للمنطق؟ وهو خيار متطابق مع واقع الروائي طه الشبيب المرابط في بلده المأزوم الممتحَن، وإذا كان قد أراد لحلمه في (اللا أين) أن يكون خياراً تعويضياً عن الواقع الصادم، فلماذا يكون هذا الخيار، الذي شط به الخيال بعيداً، هو القائم حتى النهاية، بل وتكون له الأفضلية.
    فكرة رومانسية تقترب من الفانطازيا، ولولا عُدة الكاتب اللغوية المدهشة، ومخياله  الأخّاذ لما كان من الممكن تسويغها لنا، أو جعلنا نتقبل تلك السياحة الوعرة بين الجبل والساحل لتأثيث هذا المكان البدائي البكر الذي عثر فيه المهاجرون على كهف وعين ماء، وسيوافيهم سائق المركب أوزيل أغا بثلاث عنزات وثلاثة جديان وتيس وخمس وعشرين دجاجة مع ديكين، كما سينضم الى هذا الجمع الفنتازي آخرون.  ولا يصاب أحد بالخشية من حرق أحداث الرواية، فكل هذه التفاصيل هي نقطة في بحر حياة فسيحة الأرجاء لا تحدها آفاق وليس لها حدود في حضن الطبيعة.
 لقد جعلنا الشبيب نعيش مع تلك المجموعة عزلتها الاختيارية من خلال المدون دانيال الذي وصف لنا  بطريقة حالمة مفردات الطبيعة الساحرة من شروق الشمس وغروبها واحتشاد النجوم وصعود القمر وتحليق الطيور بين مد وجزر.. بل جعلنا نحزن معها ونفرح معها.. نبحث ونقرر.. نؤيد أو نخالف بشدة. وعندما يرفض أمجد أن يتسلم من أوزيل أغا أية أرغفة خبز أو أطعمة اضافية، مصراً على انتظار حصاد القمح الذي بذروه، سنزعل لمثل هذه المبالغات، فتراضينا الرواية ببخار  ساخن من أول دلو حليب تم حلبه وتسخينه على الحطب.
    يا ترى ما عاقبة هذا الكرنفال؟ ولماذا لم يُؤسس في البلاد التي هربوا منها؟ هذا السؤال يجيبنا الروائي عليه عندما يطرحه  أمجد على دانيال، مدون الحكاية، لنعرف أن أسباب الانعزال ملحة جداً، فالشر خلفهم كالوباء، والمذلة أمامهم بالانتظار، فلماذا لا يبدؤون كما بدأ آدم فيصنعون لهم عالماً بدائياً قريباً من الأرض والطبيعة؟  ومع كل سؤال جديد  ثمة جواب يتشكل على نار هادئة من خلال  حوارات ونقاشات فلسفية طويلة بين المفكر والمدون والإنسان البسيط. فهناك الكثير مما يُقال بين أفراد هذه المجموعة..... والعسير مما يُفعل للبدء من الصفر، وخلق زمنهم الخاص بهم، والتخلص من أي شيء قد يثير الفتنة بينهم..
الفكرة من أساسها مثالية، فـ(أين) يمكن أن يكون هذا المكان اليوتيبي، و(أين) يوجد هذا الزمان البكر الذي يبدأ توقيته من ساعة الصباح بحيث تكون الساعة (12) ظهراً هي الساعة السادسة فقط.. بل أن ذلك الانعزال يبلغ ذروته عندما تصل الرواية إلى مفترق حاد لتغيير الكثير مما ألفوه ودرجوا عليه. وبما ان الرواية غرائبية، تصر على التشبث بالأرض والطبيعة بعد الإعراض عن البلاد ذي الفتن والأهوال، فسنجد كل تفاصيلها المقلقة والمبالغ فيها تصب في المعنى الذي تقود إليه مفردة واحدة هي (اللا أين)، وهنا الفت النظر  إلى أن فانتازية الرواية لا تعفيها من الالتزام بأعراف التعايش المعتادة.. أي أن لا تُخرق قوانين الحياة المتعارف عليها.. وهذا الخرق كان يحدث في أكثر من مكان لم تكن الذرائع فيه كافية لاقناعنا، أما التغافل عن حاجات الإنسان الغرائزية، فكانت غفلة متعمدة أيقظها الجزء الأخير من الرواية باللجوء إلى فتح جميع الملفات المحضورة للنقاش في ساعة أنس.
    هناك رسائل أخلاقية أيضاً جاءت على شكل مناظرات وضخ مكثف للمعلومات، كان أكثرها مما يستحق الصبر عليه  مثل الرسالة التي تتضمنها الدعوة إلى تناول الطعام النباتي.. إذ ليس للإنسان الحق في قتل أي كائن آخر له مشاعر تحت أية ذريعة كانت.. ليس المشاعر وحدها هي السبب، ولكن لأن له عيوناً تتحرك، وقد تبكي أيضاً، وهي تنظر إلى قاتلها.
    لقد شكلت هذه الرواية علامة فارقة بين أعمال الشبيب، وكنت اتمنى اختصار الكثير من تفاصيلها التي شغلتها المناظرات والنقاشات الطويلة، ولكن ماذا نفعل وهذه هي القضية التي قررتْ من أجلها تلك المجموعة من البشر أن تعيش في حضن الطبيعة وتتحالف معها بانتظار أن ينتهي الوباء في بلادهم على طريقة حرائق الغابة: أي  أن يقضي الموبوؤون على بعضهم البعض فينطفئ الحريق؟