سكر المفاهيم

ط¹ط¨ط¯ط§ظ„ط±ط²ط§ظ‚ ط§ظ„ط¬ط¨ط±ط§ظ†

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
02/02/2007 06:00 AM
GMT



ما أجمل ان نعبر دون ان يرانا احد - كافكا

إن لم ترني.. لم تكن بي - النفّري

ما أدراك؟ فالندى يسقط على العشب في صمت الليالي الاكثر عمقا - نيتشه

ان تكتب عمرك عاريا, غيره ان تعير كتابتك عمرا

دائما... قبل ان يتناول النبي قلمه الوحيد يشرب كاس نزيفه.. وقبل ان يثمل العاشق بقبلته الاولى يعي وجس رحاله..كلاهما لديه قبلة واحدة؛ كُسرت القاف او ضُمت .. لهذا مشكلتي في جري التاريخ بدوا اني لا اثق الا بالنبي والعاشق... لتجردهما؛ احدهما لوحيه والثاني لعشقه, يدوران حول تلك القبلة, لا يطمعان من الحياة بشيء يكذبون به عليك, كما هي الاحزاب والمذاهب والاديان والدول, من قبلة لقبلة.. وهم دون قبلة.

    قبلة النبي وصاحبه تحمل كل اسماء الناس, مع صغرها، بكتاب واحد.. وقبلة اولئك يحملوا الناس اسماءها, مع أهرامها..وبكل كتبهم.

   لا اثق الا بهما.. ألكونهما حزينان؟..اذ لم ياتي نبي فرح على الاطلاق, كذلك العاشق الحقيقي.. السعادة امر اخر..لذا  العازف الفرح هو عازف سيرك، كما يقولون...غليان الذات لا يسمح لهما ببرودة من هنا او هناك..فالنبوة والعشق جمرة داخلية للاله محال ان تخبو يوما ... المشكلة انه لم يعد هنالك نبي او عاشق..او قبلة تحمل اسماءنا...دائما يريدوننا ان نحمل اسماءهم..فاين نذهب باسماء الله..

  لم يعد هنالك مسجد المدينة.. ولا محراب لعلي.. ولا عصا لابي ذر.. ولا تراب لكربلاء..ولا خلاصة الحلاج.. ولا.. ولا..؛ فقط حملوا تلك الاسماء ليرهقوا بها اسماءنا.. مشكلة الاسماء انها  لا تبقى الا بمعان اخرى و الا تكلست.. والتاريخ ليس الا صناعة المعنى.

 

  المشكلة في الشرق انه انجب الانبياء وقتلتهم في نفس الحين.. لذلك تخشى من كلماتك انها تقتلك.. ليس المصيبة هناك - فالكلمات عوضك الوجودي او معادلك, اذا اردنا ان نتلاعب برؤية(المعادل الموضوعي) للشاعر الانكليزي؛ ت, س, اليوت - ولكن المصيبة في ان يزوروا كلماتك..

 ..لا بل المصيبة, كل المصيبة؛  انك تخشى من كلماتك ان تزورك

  سيما في هذا الزمن ووسط هذه الامة، بما انتهت اليه في كل بؤسها.. يئن المثقف, فهو لا يملك الا كلماته, يقولها بسلام وصدق, فتزوّره وتلقيه على قارعة الطريق بدمه وجوعه وجنونه، اعتقد ان اودنيس يقولها ما اعمق الوحدة بين الحبر والدم.

ويريدني احد اصحابي ان اقولها في الشرق.

   منذ متى راى الشرق شمسا طيبة على دينه ومعابده واوطانه وعشقه وشوارعه.. منذ زمن وانا لم ارى الشروق اصلا.. الأني اكتب في الليل وانام في الصباح.. لا اعلم لماذا اختارت الذات ذلك.. ألانها لا تؤمن بهذا الشروق. او لانها لا تريدني ان أتفاجئ بان ليس في الشرق شروقا هذه الايام.. لا اعلم!.. اتذكر بقوة كلمة الزعيم الصيني(ماو تسي تونغ), كنت معجبا بها كثيرا في اول الطريق كشرقي مثله، ازمتي الغرب..يقول بها لتلاميذه:

اعقلوا نحن اهل الشرق, الشمس تشرق منا وليس من الغرب.. مسكين ماو تسي تونغ

ماعاد درب الشمس من هناك..كروية الانسان غير كروية الارض..وبوصلة الانسان غير  بوصلتها..الجهات دائما تتغير لديه..

والا لماذا عنوان  موسم الهجرة الى الشمال..في رواية الطيب صالح

أي امة اخزينا تاريخها, واي دين افرغنا كتابه, واي نبي سلبنا وحيه..لم يعد لنا امة ولا دين ولا نبي...

 سلبنا من الشمس شرقها، ومن التاريخ نبيه..ومن الدين قيمه..ومن اجدادنا جدهم.. وندعي الوجود

حينما اشعر بتخلفنا وهرولتنا وعمالتنا وزورنا ..وكل هذا الضياع.. وضحكنا على بعضنا..كيف هو الانسان في الشرق, الراقصة فيه اعظم مكانة واكثر امانا وسطوة واحتراما في رقصتها من أي كلمات كانت للرمل اسفارا..كيف تنضر الامة لمثقفيها..انه متهم دائما ولابد من تجويعه وتهميشه...اي شرف للامة نبحث عنه وشرفتها تشرف على الف ماخور وماخور..اقامتها في ليلها حينما غفا نهارها.

 حينما استشعر ذلك.. اردد كلمات المومس العمياء لبدر شاكر السياب:

لا تتركوني...فالضحى نسبي

من فاتح ومجاهد ونبي

عربية انا؛ امتي دمها

خير الدماء كما يقول ابي.

.....

 اردد ذلك لاني اعرف ما يريده السياب بفهم اخر. . او اقلها احبذ ان تكون القصيدة على فهم ألمي..انها تلومهم...من يخلق المومس ومن يعمي عيونها.. ومن يتركها للاخر ..امتها ليس الا...استشعر, وكانها تقول ياابي..الم تقل خير الدماء فكيف ذلك.

خير الدماء كما يقول ابي!!!!!!

الدم الانساني لا اعرف الوانه..فقط اعرف ما لوّن به المدن والمعابد وكفوف النساء والشوارع..

حزبيُّ انا؛ امتي حزبُها

خير الاحزاب كما يقول صاحبي..

الكل متحزب..

شيعي انا..سني انا..عراقي انا..فرنسي انا..مسيحي انا..كردي انا ..فارسي انا..هندي انا..شيوعي انا ..قومي انا..اسلامي انا....كما يقول ابي.

 المسالة,هي دائما؛ كما يقول ابي.

يريدني صاحبي انا اكتب مباشرة.

ليس المشكلة انه لا يمكنك ان تكتب في زمن يقتلك..المشكلة انك تكتب في زمن يسخر منك..فلماذا تتحدث في مجلسه..وليلته غارقة بلعنك..لماذا كل هذا الهون .. انت لا تؤمن بهذا الزمن، فاجعلها لزمن اخر، ولتعبر دون ان يراك احد..

  اذ لاشيء في النهاية مع هولاء سوى اكذوبة شاملة وواقع مدجل.. كما يقول فاضل العزاوي

ما عاد يجدي شيئا .. اكتب من بعيد....امشي بشفتيك وحيدا

 لماذا تمشي مع شفتيك وحيدا/ لماذا قالها(احمد الصغير) الصعلوك المغربي، كما يسمونه؛ لان شفتيه تردد اياما هم ليس منها..الانبياء والمتالمين..هم دائما من يمشي بشفتيه وحيدا..

 الحقيقة لا ترغب بها امة شرفها في الشرفات .. لن تامن عليها.. حتى الريح ستحدث برائحته.

ماعاد يجدي شيئا..كلماتك تزورك

  هاهي كلماتنا تزوّرنا لدى اقرب مصلوب معنا.. ان لم يصلبونا سنصلب انفسنا..لا محالة.. ولكن كل له جبله وجلجلته واورشليمه..خشبته ويومه ومريمه

كلماتنا في هذه الامة تصلبنا.. المشكلة اننا لا نؤمن بالصلب كما هم..حتى نتمنى صلبها/الامة ..هل هذه الامة تستحق الكتابة؟.. كتابة الله لم تجد نفعا فكيف بنا..الله ودينه زور بنفس كلماته.. فمن نحن حتى نفتح شهية الصدق من جديد .

علي ابن ابي طالب, تلميذ محمد واستاذ الانسانية.. ولم يفلح معهم.

مقالة واحدة كتبتها لاجل هذه الامة بعنوان (من ازقة العمائم) كنت ادافع بها عن عمامة النبي واولاده كباقر الصدر والافغاني وعبده..لا اعرف ابن لادن ولا اعرف سفارة.. ولا سياسة ولا حزب.. ولا املك وطنا ولا بيتا ولا دولارا ولا أمرأة....دفاعا عن عمامة محمد نبيي.. جعلتني اتلقى تهديدا من سفارة وحزب.. وتمنع كتاباتي من احد الدور.. لا اعرف من الاهم؛

 عمامة النبي ام عمامة الفقيه..

اردت بالعمامة ان تنتقل من الزقاق الى الصحراء.. كما اجاب شريعتي يوما جلال ال احمد ..ما بالك مع العمائم..قال خوفا على علماء الدين من رجال الدين.. رغم ان عيونه كانت متوجهة بالامل الى تلك الحوزات ليس الا...تبحث عن ابو ذر من جديد ...لا اعتقد ابو ذر يتبنى واحدا منهم الان.

يريدني صاحبي ان اتكلم

 أي امة تلك..ماذا تريدني ان اتكلم عن مثقفيها واحزابها.. وعموم الاسلامين.. لا يجدي الامر شيئا..اصبر قليلا على شفاه تمشي وحيدة.. ما ادراك؟ فالندى يسقط على العشب في صمت الليالي الاكثر عمقا.

زورتني كلماتي لدى صاحبي ... لم تكن مؤلمة لدي.. لانها من مصلوب يكتب تحت الصلب..هو جميل لدي ..مهما كان.. وكيف سيكون ..ومهما قال عنه معظم الذين كانوا معنا فعيونهم متهمة

 هو بصري.. له عيون عبقري، ولكن له قلب مجنون.. وكلاهما يساعدان على صلبه..مسكين.. شرب البصرة بسيابها.. وكان جاحظها الاخير .

لم امنح الكنيسة شيئا بالنسبة للمسجد..هي فقط مقولة الاعتراف في الخانة الكنسية مع زورها..وجدت جدواها هناك ليس الا.. اما اني تركت قصة الاكليروس المسيحي وما فعله في التاريخ مسلطا كلماتي على المسجد..فاعتقد ان الامر بديهي، اضافة الى اني سرت في ذلك قليلا في مقالة عذرا للمسيح, كما هو في : (رغم ان من رفعه الصليب/المسيح، غيره من رفع الصليب/المسيحيين... ماذنب عيسى انه حورب باسمه، ، الحراب صنعت بنواقيس القساوسة). (الكنيسة والمسجد على خطا لانهما خلاف انبياءهما تماما).. والا لم اقس المعلوم على المجهول..كون معرفتي باللاهوت الاصلاحي للغرب اكثر من معرفتي بلاهوتنا على ما اعتقد..كما انني لم اسقط الفكر الكنسي على الاسلامي.. ماذا في الاول حتى استعير منه للثاني ،  كلاهما مرهقان.. قد يكون علم الكلام الجديد منه يخطو في وجه له ملامحه الاقرب.

لا جاك دريدا كان معي حتى اشير له.. ولا الحلاج حتى اتناص معه بل كلمتي(ان تتوضأ بإبريقك غيره ان تتوضأ ببريقك... دموعك دائما اكثر طهرا من ماءك) هي من جرتني لنصه(ركعتان في العشق لا يصح وضؤهما الا بدم) ففرّخت لدي ما جعلني اناديه: كذلك ايها الحلاج... ؛ (كلمتان في الحق لا يمكن كتابتهما دون صليب)....وقد تفرخ كلمتي يوما لدى اخر يقف على اطراف بردى..يندب شط العرب...ولكن الام ضمن برهان اللغة الذي سناتيه هو وحدة نظام/وجود, عبارة الحلاج..والتناص مع هذه الوحدة هو المولّد.

قولي(( جرحي من ارخ لي , لا ثقافة ولا قيافه , لا دين  ولا مسجد , لا مجلة ولا حوزة ))..لا تمت لجاك دريدا لا من قريب ولامن بعيد.. ولم ارد ماتوقع.. كنت اريد ان المعاناة الوجودية هي التي صنعت ماهية اخرى لدي..كما كل انسان مع لطمات السنين..اي ان احتراقات الذات وسط الحياة صهرتها وجوديا لتجعلها على وهج وعي اخر للدين والانسان والوجود..بعيدا عن النص والدرس والتاريخ والفقهاء والفلاسفة والمفكرين.

برهان اللغة

رغم ان (اللغة لا تقول دائما)  وان( كل قول يصمت عن حق اشد منه عمقا) وان هنالك دائما (تصادما مع اللغة) كما يرى النفري...الا ان وعي منهجية التضاد كابرز عنصر في النسق الصوفي يفرض عكس ذلك؛ في ان الجدارة الوحيدة المتوفرة بين الانسان في حل اللغز الوجودي للحياة وفلسفتها عائدة الى اللغة بالدرجة الاساس...بل الامر وقناعته يتجاوز العائد الصوفي في  حصر اطلالة الانسان على الحياة باللغة.. وحصر صيرورته التاريخية بها.. يتجاوز ذلك العائد الى انثربولوجيا اللغة-كما يمكن تسميتها- من جهة وانثربولوجيا المعنى كغاية من جهة اخرى( تاريخهما مع الانسان - المدون والشفوي- مع الوحي والشعر والفلسفة، الامثال، الحكم, المقولات, القوانين... التحولات ، الانقلابات,التطور...)..

اي تطور اللغة وولادات المعنى..

اذ الفارق بين اللغة والمعنى هو فارق ضمن منظومة اشبه تسامحا بالثابت والمتغير في المنظومة الاسلامية او أي منظومة قيمية اخرى..فالمعاني تتولد مع الانسان في صيرورته مع الحياة..اي على طول معانته الوجودية التي يصطدم بها هنا اوهناك..فالالفاظ تجد وجودها /معناها, بوجود الانسان معتركا في الحياة..لذا يقول فجنشتن :ليس لاي لفظ من معنى اللهم الا في مجرى الحياة..

حينما ينتج المعنى الانسان بحياته في اشياءه وبالتالي في كلماته التي تاخذ معناها من اشياءها..تبقى الكلمات نفسها ولكن المعاني تتعدد وتتجدد وجوديا بالوان عدة تمثل ابداع الانسان..فمثلا في مفردة العشق... اذ العشق الذي نال فرد قبل الف عام او على بعد الف فرسخ هو غيره مع من ناله قبل عام وعلى بعد فرسخ.. فما مر عليه جين وجيفاردو من معنى في الحب وما منحوه لهذه الكلمة من معنى  في القرن السادس عشر في بريطانيا غيره ما مر عليه روميو وجوليت من معنى وما نفخوه في تلك الكلمة  قبل عشرة قرون منهما تقريبا في ايطاليا.. لذا مفردة الحب هي  هي ولكن المعنى المؤسس لها والتي اثارها الطرفين كان مختلفا كل الاختلاف ولكل له نكهته..هذه في ولادات المعنى.وكيف كتب في ذلك ابداعا ابو فراس الحمداني غيره من معنى في هذه الكلمة ماكتبه ابن زيدون..الكلمة بينهما العشق ولكن المعاني متعددة ..كل ذلك التعدد يعود الى التجربة الشعورية.. وكذا مع الموت, الحرب.السلام..الفراق..

 مفردة الدين مع توما الاكويني غيره مع ابن سينا..والمسيحية مع اوغسطين غيرها مع انسلم.. وغيرها مع جبران خليل جبران...التشيع مع الشيخ المجلسي غيره مع علي شريعتي.. وهكذا..قد تكون المفردات الاخيرة مؤسسة على عكس المفردات الاولى في وجودها الانساني الطبيعي في اصل اللغة البكر....هذا في جهة المعنى وخصوصية الولادة فيه.

بينما اللغة يمكنك اقصى ما تاتي لها هو بنحت لجذر لغوي..ليكون لك صرف اخر ينتمي بشكل واخر الى بنية اللغة.. سوى انه مواضعة اخرى يعود بكل الاحوال الى ولادات في المعنى..

كم زاد عدد الكلمات في المعاجم على طول التاريخ نسبة الى نتاج المعنى الذي  تعبر عنه كل كتب التاريخ في كل مناحي الحياة.. اذ كل كتب التاريخ..هي كتب معنى,سواء صاب او خاب.

اذا بين اللغة والمعنى هو ما بين النحت والخلق؛ مسالة المعنى هي وجود بعد عدم,  اما اللغة وزياداتها فهو وجود اخر... لذا حينما كان الشاعر مبدع معنى.. فهو خالق من نوع اخر.. بل هي الميزة الاولى التي تلصق بالانسان الالهي..انه يمارس صفات الله في الارض ومنها الخلق النسبي، ونيابة الله، والتعبير عن ذاته وروحه/نفخته.. والامر ينتهي الى مسالة خلافته

 ولان انتاج المعنى هي المهمة الاقصى للفيسوف فوق كشف حقائق الاشياء او فن الغوص في الأعماق.. جعله ذلك عرضة الى ان يحال في جذره ودلالته الى الشعر كولادة.. باعتباره مخاض المعنى الاول في فراش اللغة.. لذا يصح قول (جان فان) ان لا فرق جوهري بين اللغة والفلسفة... والكثير قال بذلك سيما الحداثويين, ولو بغير هذه المقدمات.

   الصوفية لم تقل ببرهان اللغة ولا اي مدرسة اخرى.. هناك اتجاهات وانماط ثقافية اهتمت باللغة كمنحى اختصرت اخيرا بالاتجاه الاسلوبي..تقترب منه الصوفية لما اقتضته الوجهة الرومانسية وعنصر الخيال مع مدارات اللغة وحدها ككتلة رومانسية بالدرجة الاساس تناسب الحنين الفطري الاول قبل أي أي مجال فلسفي- لذا هناك جدل معروف في اسبقية الشعر قبل النثر ام العكس - وللنهاية الشعرية في ذلك مع الاتجاه الصوفي.

وضع اللغة مع الصوفية.. كان في كفاءة اللغة ولوعتها الوجودية معهم كحالة انفعالية مع المعنى..ليس الا..وقد يتفق بقدر ما على ان مشروع الجابري رصد التراث بقدر محترم معرفيا..على مستوى الرصد, وجاء عنه التصنيف الثلاثي المشهور: البرهان والبيان والعرفان..لنساق التراث .. وكانت حصة الحضارة الاسلامية العربية الدائرة بيانية بالدرجة الاولى ، وهذا يؤكد خلو عنصر البرهان في التاريخ البياني...ونحن هنا نقول ببرهان في البيان...بيانية القدامى لم تكن معرفية..بقدر ماكانت نفسية...انها مسالة تعلق بالنص ومرجعية الوحي, واخدودها النفسي الذي وقع به المسلمين مما ابعدهم عن اطار العقل المستقل وفعاليته البرهانية بالمعنى التقليدي بين العلة والمعلول والمقدمات والنتائج في جوهما الانساني.

لم تكن مسالة اعتماد اللغة كمنحى معرفي مستقل مع الحقيقة .. كانت ازمة تقليد لنص يملك رهبة عقدية وتاريخية وعرفية وقومية..الا في خطا متمردة هنا وهناك،الا انها عقلية،بعضها في لمحات وجودية وانسنة, ولكنها لم تفكر باللغة كبرهان.. ولم تطور مفهوم البرهان نفسه.

اما لو كانت بيانية بمعنى اخذ اللغة اتجاها للحقيقة لكان امرا اخر.

 لم تقتنص مقولة (برهان اللغة) أي شوط من ذلك في التراث.. بل كانت تتمنى ان تجد  له وجودا،ليكون دورها ولو مقتصرا على نحت ركائز معرفية.. مع ان عين هذا إبداع بحد ذاته.. ولكن التراث لا يملك اصلا ذلك مع الأسف.. نعم له مادة تثبت المقولة وهذا امر بديهي.. يؤكد جدوى المقولة في العلوم الانسانية..

تفرض المسالة ان اللغة ولدت على افضل ما يكون مع جميع الشعوب... شانها شان الفطرة كما وجدت كانت اقرب الى الحقيقة والى الله.. وكون ولادة اللغة جاءت في زمن تلك الفطرة، فالسنخية تفرض الانسجام في الاصل.. في انهما على احسن ما يكون.. يبقى  هنالك علاقة بين الفطرة واللغة جرت ضمن جدلية في التاريخ.. كلاهما تعثرا في الوجود الانساني, الفطرة بتحولاتها مسخت اللغة كثيرا كما كان العكس.. مع الطريق يأتي الانسان المتألم وبمعاناة وجودية صهرت فطرته ولو للحظة يقول بها معنى ما..يحاول بتلك المعانات الوجودية ان يعيد قراءة المعنى في حركة اللغة... كون المسالة في الصيرورة الانسانية..هي دائما اعادة قراءة المعنى في الوجود.. اذ دائما ازمة الانسان ازمة المعنى في ذاته ووجوده.

من جهة اخرى لابد ان نقول ان الحقيقة موجودة في قلب الفطرة الاولى تنبجس دون أي حاجة لمنظومة فلسفية فالمعايير السلوكية منقوشة في ذاكرة الطبيعة ومنها الفطرة الاولى المصنفة على الطبيعة التكوينية (وتكوينيتها تفرض بقائها تحت الرماد/الرين) هذا من جهة الذات....

اما من جهة اللغة فالحقيقة موجودة في قلب اللغة البكر..ايام فطرتها الاولى مع الانسان قبل سكر مفاهيمها في الدين والسياسة والاعراق..و

فطرة الانسان هو صفاءه الداخلي(وحدة وجود داخل الذات, تخلقها نوع تزاوج القيم لديه).. وبكر اللغة ( وحدة الوجود بين الكلمات، تخلقها شكل تزاوج المفردات في الجملة)..اذ هنالك (كل لغوي) يتاكد في الجملة والسياق مهما طال او قصر..

  مثال الاول هو القران بكل طوله في سوره.. هو وحدة وجودية متكاملة في شكلها وترتبها..مع ان السور والايات لم تكن متسلسلة زمنيا حسب النزول كما هو معروف..ولكن الله اراده هكذا لانه وحدته الوجودية تتم بذلك.. وذلك ما يراه ايضا المرحوم ابو القاسم حاج حمد.

 مثال الثاني(=الكل اللغوي) القصير.. الجمل والمقولات والسياقات القصيرة في الإبداع الإنساني.

لكن لم يكن القران يسير ضمن برهان اللغة كاساس وان حمل منه كثيرا.. كما خاض ضمن المدار الجمالي وهو المدار الاهم في برهان اللغة.

وحدة الوجود في منظومة اللغة..تفرض علاقة تكاملية بين المفردات..بالاحرى فيها معادلة جمالية..ترتبط شكل المعادلة مع نوع المفهوم المعبر عنه، بمجرد ان تتم تلك المعادلة تبرز الحقيقة تلقائيا امام الذات المتلقية.. وكون المعادلة جمالية لا رياضية عقلية..فهي اشبه بحالة انفعال وجداني للشعور بين الكلمات والاشياء(مادة المفاهيم).. انفعال وجداني بين(الذات, اللغة, الموضوع, الحقيقة)

واكثر الاطر القرائنية هي من هذا النوع..لذا العالم والعامي فيها سواء اذا ما تساوا في درجة صفاء الفطرة  

يسار بالمسالة بداء من مقولة فجنشتن: ان حل اللغز والصلة الرمزية بين الكلمات والاشياء بتحليل اللغة وصورها.. وما تقوم بصنعه من جمال يدخل ويصل الى الحقيقة من اقرب مسافاتها..  

المسالة مع الحقيقة ليست مناطق عقلية تفرز طبقية (الفيلسوف والعامي) بين المجتمع في كشف الحقيقة.. ابدا , هي مسالة مسافة عن الفطرة ، والا البدهية معها مؤكدة مع الفرد زمكانيا.. الامر فقط يحتاج الى صفاء وجودي انساني الهي داخلي.. وان جهل الانسان كل العلوم.. والاهم في قطع تلك المسافة للحقيقة هو التحول الشعوري والغليان لصهر كل ركام الذات.. ذلك الاساس الاهم كآلية لادراك المفاهيم .. اذ المفاهيم هي الغرفة الاخيرة في قصر الحقيقة. ..وحتى لايساء فهم الصفاء بانه تلك الدرجة الترويضية وبالتالي تحتكر الحقيقة..الصفاء هنا..اقرب موجة اليها هي موجة الالم.. والانسان لابد وان يمر عليها بل هي الاكثر في حياتة..اذ الغالب انه في معاناة وجودية.. وهذا ما يمنحه الصفاء اقلها لموضوع المعاناة الذي نال منه.

اهم ما تثيره اللغة  هو البعد الجمالي الايحاءي.. وبما ان الجماليات ابرز عنصر جوهري تعتمده نظرية التلقي كما تؤكد العلوم الانسانية المختصة بذلك. لذا يغدوا الجمال العنصر الاهم في قطع مسافة الحقيقة..الا ان الجمال يتم تذوقه بالايحاء على نحو غامض دون وضوح عقلي كما يرى ادموند بيرك الفيلسوف البريطاني..وهي مقولة الكثيرين تماما..
وهذا ما يتواءم مع انطلاقنا من مسالة الفطرة كالية وجودية تفوق العقل في مسالة الحقيقة لقرابتها مع مفهوم الايحاء.. كونها مقولة تنتمي الى الروح والشعور كاصالة لتلقي الحقيقة دون العقل... اذ صعب جدا ان تعقد قران دائم بين العقل والقيم .. القيم منطقة ذاتية في وجود الانسان ونفخة الهية فيه.. يمكن احالتها الى الضمير والقلب والوجدان..لا يمكن للعقل ان يقبل بها..لذلك كانت فكرة الاصطدام مع اللامعقول الواقعي دائما على طول التاريخ..في كثير من قيم الانسان التي زرعها كاحداث هنا وهناك..حتى قال باسكال... ان للقلب اسبابه التي لا يعرفها العقل.

كما ان نهايات العقل حتى ترسخ لابد ان تكون نهايات شعورية.. وهذا ما نوقش معنا في سكر المفاهيم سابقا.. مع قصة النبي إبراهيم في قوله(ليطمئن قلبي) مع انه خرج عقلا بمقدمات منطقية.. ولكن وجودية الانسان اوسع من العقل في حركته.. وكذلك قول المتكلمين  معرفة الوحي بالعقل هي تسامح نظري مغلوط.. اذ لم يكن اثبات الوحي بالاعجاز الخارجي بقدر ما كان بالاعجاز الداخلي لقيم الوحي, تلك التي سارت بالناس في النهضة الاولى.. ايضا هناك برهان داخلي وبرهان خارجي هو مجال شعوري.. وبما ان الوجود الانساني محوره ليس التواصل بين الذوات وانتهى كما هو مع كارل ياسبرز وانما هو التواصل بين المفاهيم التي تشعر وتفعل وتحرك الحياة باتجاهات الفرد فيها.. فالوجود مع الحقيقة هو وجود مفاهيمي كما تكلمنا في هذه الرؤية المركزية سابقا. والمفهوم بناء لغوي في جهة المعنى.. فالامر ينتهي الى اللغة.

هنا لابد ان تكون خطوة انزياح  وتمرد على مفهوم البرهان وتعريفه التقليدي نفسة والا فالمسالة تبقى عالقة..اذ قد يكون هذا المفهوم قد سكر كثيرا بايدي الفلاسفة التقليدين.. ولم تستطع الاجيال الخروج عن قبضة الفلاسفة وهيبتهم .. 

البرهان ليس اثبات حقيقة شيء ذهنيا فقط بقدر ما هي تحقق شعور الذات به.. جعلك لها وجعلها لك.. هنا تاتي فكرة (الاعتاق والعناق والاعتناق).... فاثبات وجود شيء غير اندماجه فيك..اثبات شيء يبقي الامر صوريا مع الانسان دون تأثير في وجوده..فهو بكل الاحوال غير موجود بالنسبة له..يكون ذلك متى مااثر في وجوده ..

فعدم شعورك بالشيء لا يمنحه وجودا معك..فاكتشاف امرأة غير عناق حبها.تشعر بحقيقة وجودها حين تتشكل ذاتك بها كشعور..وهو الاساس لكل موجود..مهما كان الذهن يحمل صورا منطقية تثبت الواقع الخارجي للشيء.. وهكذا الامر تماما مع الله..بين اثبات وجوده وبين الشعور به.. كثيرين من الفلاسفة والفقهاء لديهم ادلتهم المنطقية في وجود الله.. وهم غير موجودين معه تماما (لذا يحق معهم نيتشويا مقولة موت الله ), لان اثباته امر والشعور به امر اخر ( ولما يدخل الايمان الى قلوبهم/الاية) بينما نجد اناسا عواما لا يعرفون من العقل شيئا، يتحرك الله في كل خطاهم . هكذا يمكن ان ينتهي انزياح البرهان مفهوميا..في انه مسالة وجدانية شعورية بالدرجة الاساس لا عقلية.. مع كرامة العقل في ذلك كمقدمة للشعور.. اذا التاريخ لم يبنه عقل الانسان.. وانما قلبه وارادته..التي هي منتج قلبي لا عقلي بالتاكيد.

هنا ايضا تاتي فكرة ياسبرز( الاندماج في التعالي) كاهم شرط وجودي يصل اليه الانسان المتعالي او الالهي, مؤكدة فكرة (الاعتاق والعناق والاعتناق) في مسالة البرهان كاهم محطات فيه...

فاذا كانت الطريق المعهودة في لعب الكلمات في صورتها الجمالية الادبية الشعرية المصنفة فلسفيا في وجه الفلسفة الحقيقي لكان القران مادة انشائية.. وحاشا ان يكون ذلك. كما فهم في منهجنا ذاك.

هنا المسالة في اهمية اللغة وعلاقتها بالحقيقة ليس اعتماد قناة معرفية تعتمد تجريدا للشكل(المدارس الشكلانية) بقدر ماهي تجريدا للروح (= القيمة في المعنى لدى اللغة)

يمكن هنا ايضا ادراج مقولة رائعة للكاتب العراقي فاضل العزاوي والمثير لفضاء كلامنا, يقول بعد كلام عن النص في الحياة ادرك اثره في خبرة شعورية معاشة يرويها في كتابه الرائع الروح الحية : هنالك ادركت كيف يمكن للنص العظيم ان يكون منقذا للروح. وهي الغاية القصوى في الوجود الانساني.. في نزوعه الى الاله والنزوع روحي بالاصالة..

اذ اتجاه التجرد نحو المجرد الطريق الوحيد اليه.

نبقى مع الانزياح المفهومي للبرهان(في برهان اللغة) هو انه تأهيل للفطرة جماليا وذوقيا..ثم تركها تلقائيا مجردة  مع الاشياء.

اذ الحقيقة كما يرى النفري مثلا ليس بالميسور معانقتها بغير الطاقة الحدسية للروح.. وهذه تقتضي جوانية لا يحفرها الا الجمال.

هنا الفكرة في برهان اللغة..تتزاوج مع فكرة الظاهريات وتتاكد بها..(الاشياء والذات) سيقفان وجها لوجه دون أي مسبقات بتجربة شعورية للذات..تثيرها اللغة..حينما تتناول بعدا وصفيا للظاهرة..تغطيها اللغة ببراءة..عن أي منطق خارج الذات.

تطبيقات

 حدث تاريخي شكل اشكالية مع المتاخرين حينما نوقشت من جهات عدة..حينما احل الامام الحسين احرامه ايام الحج بعمرة فقط متوجها الى كربلاء وحادثتها..كثير ناقشها بعناوين تقترب من البرهان الصوري اعتمادا على وجوه فقهية مع خصوصية الحج واحتمالية الاحداث في نهايتها المعروفة..مع ان المسالة مازالت لا تنوه بالحرب تماما..عموما لا الجانب الشيعي استطاع توجيه ذلك بقيمته الحقيقية طوال الف ونيف سنة.. ولا جانب اخر اقلها مع المؤرخين توازنوا مع الحسين بل هنالك كلام سلبي احيانا للاسف..في انه كيف يترك احرامه..

عموما..علي شريعتي خصم المسالة تماما بعبارة تنتمي كابرز ما يكون الى برهان اللغة..وفي نفس الحين تفتح بابا مع مفهوم الحج..وقيمة اعمق تمثل المراد الماورائي..او الذي يمثل الاصالة عند الطقس الديني..

 يقول علي شريعتي في تلك الاشكالية.

( ترك الحسينُ الناس يطوفون حول بيت الرب, وذهب هو ليطوف حول رب البيت)

اللغة هنا وفقط.. والمعنى كل المعنى هو في الوصول الى كلمة..رب البيت..وتجاوز علاقة وارتباك مفردة الطواف واحتكارها مع بيت الرب.. ونقلها الى رب البيت..
 لم يكن هناك أي مقدمات منطقية.. واي تفكيك عقلي..واي استنادات فقهية..او تاطيرات وتوجيهات تاريخية مرافقة للحدث.

فقط اللغة قامت بالدور..حينما اصطفت في نسق .شكل وحدة وجودية بين مفردات لغوية..وجدت نفسها تشع الحقيقة دون عناء ..فقط اجعل نفسك امام العبارة..فتشعر بها داخلك لا تقبل غيرها..هنا علاقة(الذات ,الحقيقة, اللغة)..باعتبار هناك علاقة في الوجود وبكريته بين هذه العناصر الثلاثة..

علما ان مقولة شريعتي ستفتح بابا اخر في المسالة..مع الحج من جهة في ادبياته الفقهية.. ومسالة الثواب وتهويلاته معها.. واحتكاره مع المكان الخاص به .. مع منطق لغة شريعتي ,ينفتح على المسالة ابواب عدة في تطوير الشريعة وفهمها الاعمق ..في علم المقاصد من جهة ,ليتجاوز الامر حتى المقاصد الكلاسيكية التي لم تعد تجدي شيئا في واقعنا اذا لم تطور الى مقاصد ابعد ...الحج الحقيقي مع لغة البرهان لشريعتي هنا..سيكون في الطواف حول قيم الله اينما كنت.. ولو في اقصى مكان من الكعبة... وهذا الامر سيمتد مع كثير من الفروع الفقهية اذا ما اوديت بصورتها الشكلية..لانها تحمل ابعادا اعمق مما هو ظاهر..متوقف عليه..

( ترك الحسينُ الناس يطوفون حول بيت الرب, وذهب هو ليطوف حول رب البيت)

 

في الثورة المعروفة بالمشروطة او الدستورية في ايران بداية القرن العشرين..كان هنالك طرفين في نزاع داخلي من الخط الديني في المؤسسة الدينية, هما الشيخ اليزدي, والسيد فضل الله النوري  الذي اعدم .. وكلاهما معروف باخلاصه كما يقول عنهما الشهيد الفيلسوف مرتضى المطهري..

كان اليزدي مع الحكومة الدستورية على عكس فضل الله النوري.. وكان الاخير اكثر كفاحا... والغريب مع اني اميل الى الجانب الدستوري كنت في نفس الحين اميل بشدة جوانية وحدسية الى شخصية النوري في الصراع..سيما ان صورته وهو على حبل المشنقة لا تفارقني ..كان مع ذلك الحبل بهيبة.. وكانه المسيح في صليبه..

 المتنور الديني يميل بالتاكيد في تجديده الديني الى النظام البرلماني الدستوري وان كان غربيا..وهذه النكهة الغربية هي من جعلت النوري ضده..هذا المتنور كيف سيحل تلك الهيبة للنوري في اخلاصه الوجودي..مع انه ضد الفكرة الصحيحة..

كما كتبوا وقالوا في ذلك ضمن منحى تاريخي تفكيكي, مستعينين بالعقل واطره.. ولكنهم

لم يفلحوا..ابدا..

حل المسالة جلال ال احمد ببساطة..ضمن برهان اللغة بقوله..

(لم يكن فضل الله النوري ضد الدستور.. فقط هو كان مع الشريعة)

ايضا اشكالية لقصة حصلت في (الاسكا) في نهايات القرن التاسع عشر مع الذين ذهبوا للبحث عن الذهب هناك.. شخص يبيع زوجته وطفلته في لحظة ضياع وجوع وبكل بساطة..الى شخص..وفي لحظة الزوجة جد مرهقة جسديا ونفسيا...هل يمكن لهذه الذات بهذه الخسة ان يكون عنها رأي اخر في نهاياتها.. هل يمكن ان يسمى يوما هذا الرجل بطلا او رجلا او شريفا..في ان يفعل شيئا خارج العادة بسببهما..بعد ان يلتقيا بعد عشرين عاما.

أي لغة هنا ستكون برهانا نفسيا يضع صورة حقيقية للاشكالية..

ان نختصر القصة الى قصة قصيرة.

حرق مدينته(يملك كل زوايها), حفنة الذهب التي باع بها امرأته وطفلته غدت جبالا.... كانت قبل فترة قد عادت تبحث عنه بعد ان بلغت طفلتها العشرين..وبلغ بها جسدها مرض السل..بقيت ايام قلائل على مسيرة قبرها..تزوجها ليعوضها خسة فعلته الاولى دون ان تعلم البنت انه ابوها خوفا ان تعرف انه باعها وامها..اراد ان يعوض لها لم يستطع...تموت الام بعد ايام قلائل..يخبر ابنته عن الحقيقة بعد ان وار الام قبرها..

هوب لقد بعتك وامك..تتركه مهرولة.. يتذكر خسته لاجل حفنة من الذهب.. يحرق المدينة التي بناها بذهبه..يستطيع ان يشتري به الان العالم..ولكنه لن يقدر به على شراء ذاته من جديد.. كان الجميع قد خرج الى مكان مجاور يحتفلون فيه ...الحريق ياخذ مدينته ويترك ذهبه في العراء... ينتبه الجميع للحريق.. يسرعون للمكان .. ولكن ليس لدانيال من اثر.. في الفجر يجدوه على طرف من الثلوج..يشرف على حريق ذاته قبل عشرين عاما..لم يهمه حريق ماجنى..ولكن انطوى على ذاته تحت الثلج مغادرا برودته الى ذات اخرى.

احدهم ممن وجدوه جثه..قال لغة ليس الا.. اختصر بها الذات الدافئة في الثلج قربه.. الذات التي باعت زوجة وابنة.. لغة اعاد بها القيمة لتلك الذات... ردد:

(عكس الملوك...انه عكس الملوك؛ يصبحون ابطالا حينما لم تعد هنالك مدن يملكونها.) نظرة الله ستنصب على هذه الكلمة.. على الفعل الاخير لهذه الذات ..حينما حرق مدينته وذهبه..من اجل ايمانه بقيم اخرى في الحياة خارج اطار الذهب, وندمه بما لا يغفر لنفسه..لتكون ذاته الجديدة هي من يحاسبه بخطوة اخرى يؤكد بها وجوده ولو بالموت..لقد غدت الذات بطلة حينما بقيت دون مدينة..واستطاعت ان تتخلى عن شيء, الانبياء واهلهم فقط من يتخلى عنه... الملوك ابطالا ببقاء مدنهم..لكن هنالك اشخاص - كهذه الذات - يغدون ابطالا حينما لم تعد لهم مدنا.

ايضا للامام علي في ذلك الكثير ومن اروع ماكتبت به البشرية..يمكن استقراءها لاحقا..وكثير من اشكاليات الحياة التي لو تركت حلولها المنطقية..الى الحلول التي..ينضر اليها من جانب برهان اللغة لكانت مسالة انتاج المعنى قد اخذت مديات ابعد في حركة الوعي القمي لدى الانسان.

وهذا هو النسق الذي اعتمدناه في حلقات نبي ضاعت ملائكته كمقدمات لا يمكن ان توصف نفسية فقط وبالتالي اقرب ان انها انشائية..شكلانية..اذا كما اسلفنا؛ فارق كبير بين (تجريد الشكل) في اللغة غيره( تجريد الروح) فيها.

وجعلنا بمنطق..ان يكون كذا غيره كذا..لتون محيرة في القيمة الاعمق..لتترك المسالة ايحاء شعوري..واضح جدا خيارها..بمجرد ان تستقر وحدة وجود اللغة في النفس

منها

ان يصلي على جثتك إمامٌ أرهق دينك, غيره أن تجثوا الصلاة أمامك تلعن دينه.

..سمعتها جميلةً؛ قم فأذِّن ياقتيل سيُصلي جبرئيل.

أن تصلي في مسجد ضاع آذانه,غيره أن يصلي المسجد فيك ليسمع آذانك.

وأن ترى دينك حلالا وحراما, غيره أن تأبى حُرْمَتُك غير قيمه.

أن تؤذن على ناقوس كنيسة وفأسك فوقها, غيره أن تجعل مأذنتك ناقوسا,فأسك لها.

 ان تموت من اجل كنيسة في اسلامك.غيره ان تموت الكنيسة بإسلامك.

أن تبني كنيسة تلد مسجدك في قلب الاخر .غيره ان تبني مسجدا يهدم كنيستك فيه..

أن تموت مع الله بدون دين ,غيره ان تموت في دين بدون الله.

لنبي لا يحتكر الحروف في دُرْجِ كلمات, النبي يَدْرُجُ لنا حروفا لكل الكلمات..

 

أن يضيع من المرأة مخدعها, غيره أن تخدع مرآتها بغير وجهها.

 

alwaai@hotmail.com

 

دمشق