نشأة الأديــان من منظور إسلامي

ط·ط§ط±ظ‚ ط§ظ„ط´ط§ظپط¹ظٹ

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
13/02/2007 06:00 AM
GMT



كانت بداية كتاب ( قراءة نقدية للإسلام ) للتوضيح كيف نشأت الديانات ، و كيف نشأت نزعة التدين عند الإنسان ، و في الواقع قد اعتمد الكاتب في هذا الفصل على نظريات في علم النفس لبعض العلماء الملحدين كسيجموند فرويد مثلا ، و التي ثبت فشلها بمنظور علم النفس الحديث لا بمنظور الدين . فمع الأسف قد يخالف العلم الحديث المفهوم الديني المعروف و لا يعترف العلمانيين إلا بالحقيقة العلمية ، و بعد فترة من الدراسة و التأمل يثبت فشل النظرية و تخرج النظرية الجديدة مسايرة للمفهوم الديني ، فنقف جميعا و نقول : ( صدق الله العظيم ) !.. و سوف ننوه في حينه على فشل بعض النظريات العلمية أمام بعض المفاهيم الدينية .

حتمية الدين و التدين للنفس البشرية :

في كافة المجتمعات توجد عقائد ترتبط بعبادات و ممارسات و تصرفات توجِّه البشر و ترسم لهم طريقهم في الحياة و تفسر لهم مصيرهم بعد الموت ، و هذه العقائد و ما يتصل بها أو يترتب عليها ترتبط بقوة قاهرة تملك الضر و النفع لهؤلاء الناس ، و غالبا ما يعتقدون أنها في غنى عنهم و عن عبادتهم و هم ليسوا كذلك ، كما أنهم لا حول لهم و لا قوة إزاءها و ليس أمامهم إلا التماس رضائها و اتباع أوامرها و اجتناب سخطها و ترك ما يعتقدون أنه يجلبه عليهم ، و تعرَّف هذه التبعية لتلك القوة القاهرة بالإيمان بالعقيدة أو الإعتقاد الديني .

و يعتبر الإعتقاد الديني فطرة في النفس البشرية ، و هو ضرورة حتمية تحتمها طبيعة تلك النفس بامكانياتها و افتقاراتها المادية و المعنوية ، و في رأي الكثير من العلماء و خاصةً من يعنون بدراسة السلوك الإنساني أن العقيدة الدينية هي الملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان في الأزمات ، و هي الحصن الذي يحميه من العواصف و النزوات و الهزات[1] .

و بالنسبة لحتمية التدين و دورة في حياة الناس يقدم بعض علماء الإجتماع و منهم جيرهارد وجين لنسكي تعريفا واسعا كل السعة يتضمن أن الدين هو النظرة التي تنظر بها جماعة من الناس إلى الوجود و ما يترتب على هذه النظرة من ممارسات ، و و بذلك يدخلون في عداد المذاهب و العقائد ما يطلقون عليه اصطلاح ( المذاهب غير السماوية ) أي التي لا تؤمن بوجود إله واحد أو هدة ألهة كالأيدلوجي الشيوعي و الفلسفة الإنسانية ، هذا بخلاف ما يعرف بـ ( الأديان السماوية ) كاليهودية و النصرانية و الإسلام[2] .

و حجة المنادين بالتوسع في تعريف الدين على النحو المشار إليه ترجع إلى زعمهم إلى ما نتج عن الثقافة الإنسانية من تطلع لإكتشاف أسرار الكون و للإجابة بصفة خاصة على جميع التساؤلات التي تبدأ بكلمة ( لماذا ) ، مثل :-

لماذا ينزل المطر أو لا ينزل ؟

لماذا يموت الإنسان أو يتفاوت عمر البشر ؟

لماذا يتفاوت حظوظ الناس من الحياة ؟

... و غيرها الكثير ، و في زعمهم أن الأيديولوجيات و العلوم صنعية و الإنجازات البشرية يمكن أن تجيب على مثل هذه الأسئلة تسكينا للنفس و شفاءا لغليلها هو زعم باطل و وهم غير صحيح و إجابة غير كافية على كافة التساؤلات المحيرة التي شغلت أو تشغل بال الإنسان ، و التي قد يقف العلم الوضعي محدودا مبهوتا أمامها ، و من ثم فلا مناص للبشر من ( الإيمان ) فنحن في عصرنا الحالي أقدر ممن سبقونا على إدراك قصور العلم و حدوده عند الحديث في بعض المسائل كما سبق . و بعبارة أخرى إن طبيعة العلم قد صارت أكثر وضوحا ، بل و أن رأي العالِم المحايد لا يكفي لتكوين قراره النهائي ، و هذا يبين موقف الإنسان من الكون و يرد على استفهامات محيرة شغلت بال البشر منذ القدم ، و ستظل تشغل بالهم مالم يعتصموا بدين أو يلتزموا بعقيدة ، و من رأى أن ذلك الإعتصام أو الإلتزام قد يقيده بعض الشيء فهو يلجأ إلى غض الطرف عن هذه التساؤلات و يضع في مخيلته أن هذه التساؤلات وهم لا وجود له إلا في أدمغة الحمقى كما ظن الشيوعيون قديما أن الدين أفيون الشعوب لينسوا به مشاكلهم التي قد لا يجدون حلولا لها بالصورة المعهودة .

و يقوم الدين بدور هام جدا في البنيان الذي تقوم عليه كافة النظم الإجتماعية الأخرى ، و يختلف الدين من هذه الوجهة عن التنظيمات الجزئية الأخرى فهو مثلا يختلف عن الدولة و الحكومة حيث ترتكز كل منهما على توزيع ظاهرة القوة و السلطة و التحكم فيهما ، كما يختلف عن الإقتصاد الذي يعتني بالعمل و الإنتاج و التبادل ، و بعبارة موجزة لا يعد الدين مرادفا أو بديلا لأي نظام بعينه من النظم الإجتماعية بل هو متغلغل فيها جميعا بقدر متفاوت بتفاوت تلك المجتمعات و تبين شرائعها و عقيدتها الدينية .

عبادة الأسلاف :

يخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى قد خلق آدم و جعله خليفة ليعمر الأرض ، و عرض عليه الأمانة التي سبق و عرضها على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها ، فقبل بحملها دون أن يقدر عواقب هذا القبول حق التقدير ، و قد روى علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ .. } ، قال: الأمانة الفرائض، عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به. ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير[3] .

و قد زرع آدم عليه السلام اخلاص العبادة لله الواحد الأحد في أبنائه ، و أبناء أبنائه ، و توارث الأجيال تلك الفريضة ، و لأن ولد آدم منهم الصالح و الطالح ، الطائع و العاصي ؛ فقد شط ّ منهم أجيال عن فريضة عبادة الله ، و قد ورث عنهم أبناءهم هذا الشطط ، و قد حاد البعض الآخرعن جزء من مفاهيم و أصول تلك العبادة ، بأن دخل حب الأباء و الأجداد إلى قلوبهم كحب الله أو أشد حبا ! ثم ارتفع هذا الحب مع الأجيال التالية إلى مرتبة التقديس إلى جانب عبادة الله ، و أوحى إليهم الشيطان أن يصوروا أبائهم في صورة تماثيل ليظلوا على ذكراهم ما نظروا اليها . فمنهم من ترك عبادة الله و تمسك بعبادة تلك الأصنام فجهلت الأجيال التالية عبادة الله و لم يعرفوا سوى تلك الأصنام أربابا من دون الله . و يخبرنا القرآن الكريم أن قوم نوح عليه السلام قد عبدوا أصناما كان أسماؤها وداً و سواعاً و يغوث و يعوق و نسرا ، و حجدوا عبادة الله ، و قد روي عطاء بن يسار عن بن عباس رضي الله عنهما أن تلك الأصنام كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت من دون الله[4] .

و يقول د. مصطفى محمود عن بعض القبائل الأفريقية كقبيلة الماوماو مثلا : إنهم يعتقدون في إله واحد اسمه ( موجابي ) و يصفونه بأنه إله أحد لم يلد و لم يولد و ليس له مكافيء و لا شبيه ، و أنه لا يرى و لا يعرف إلا من أثاره و أفعاله ، و أنه خالق ، رزّاق ، وهّاب ، حكيم ، رحيم ، يشفي المرضى و ينجد المأزوم و ينزل المطر ، و إليه يتوجه الجميع بدعائهم . و يصفونه بأن البرق خنجره ، و الرعد وقع خطاه . و يتساءل د. محمود : أليس هذا الموجابي هو إلهنا العليم القدير بعينه ؟!.. و من أين لهم بهذا العلم إلا أن يكون في تاريخهم رسولا و مبلِّغا قد جاءهم من عنده ؟.. ثم تقادم عليه العهد فدخلت الخرافات و الشعوذات فشوهت هذا النقاء الديني[5] .

و نحن نعزي تمسك بعض القبائل البدائية في العصر الحالي بعبادة إله واحد كما وصفه د. محمود سابقا إلى بقايا الفطرة الحنيفة التي فطر الله الناس عليها منذ بداية الخلق ، و كان انعزال تلك القبائل عن الناس لفترة طويلة سببا في عدم فتور تلك العقيدة في نفوسهم و إن كان قد شابها بعض الشوائب ألا أن علامات التوحيد لا تزال ظاهرة بها .

و يعدد الكاتب في وصف الأقوام و القبائل السابقة و ألهتهم ؛ كأقوام بلاد مابين النهرين الذين عبدوا ماردوخ و عشتار ، و الكنعانيين الذين عبدوا بعل و عنات ، و المصريين القدماء الذين عبدوا أمون و ايزيس ، و الإغريق الذين عبدوا زيوس و افرودايت ، .. و غيرهم ، و كل هذا لا يخرج عن نطاق ما شرحناه من قبل أن الناس كلهم قد عبدوا الله عز و جل في القدم ، ثم تدرجت هذه العبادة إلى أن وصلت إلى عبادة الله مع ألهة أخرى ، ثم اندثرت عبادة الله مع بُعد الإنسان عنها و ازدهرت عبادة ألهة أخرى من دونه قد أعطوها صفاته و صبغوها بصبغته ، عز و جل ، لتكون مقنعة ً لعقولهم التي استغلقت فيما بعد على قبول غيرتلك الأصنام إلها و ربا . فعندما ندرس صفات تلك الألهة المتعددة في جميع تلك الأقوام نراها واحدا ، فصفات مردوخ هي صفات بعل هي صفات أمون هي صفات زيوس .. إلخ ، و هذا و إن دل على شيء فيدل على أن مصدر هذه الصفات واحد و إن اختلفت الأسماء .

أما عن القرابين التي ذكر الكاتب أن الإنسان البدائي كان يتقدم بها إلى تلك الأصنام التي تخيلها ألهة ، فهذه أيضا لا تعدو سنة ً قديمة قد فطر الله بني آدم عليها كما يخبرنا القرآن الكريم : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبّلْ مِنَ الاَخَرِ قَالَ لأقْتُلَنّكَ قَالَ إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ}[6]، و يقول المفسرون أن ولدي آدم قد قدموا قرابين لله عز و جل من ممتلكاتهم فقدم قابيل بعض الزروع من نتاج أرضه و قدم هابيل عجلا رخصا من البقر و كان صاحب ماشية ، و أياً كان ذلك القربان فهو فطرة الله التي توارثها عنهم أبناءهم و إن داخلتها بعض الشوائب كدخول الكهنة مثلا و طلب أشياءاً بعينها و لكن هذا لم يكن قديما .

و ينتقل الكاتب إلى الحديث عن نبي الله ابراهيم عليه السلام ، فيحكي قصته مستقاة من الكتاب المقدس و بعض المؤرخين ، و لكنه ذكر أن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم العبرية ، و هذا غير صحيح تاريخيا ، فاللغة العبرية لم يكن لها وجود في زمن ابراهيم عليه السلام ، بل أنها كلغة قد بدأت في الأنتشار بين قبائل العبرانيين بعد تمام استقرارهم في نهاية زمن النبي يعقوب عليه السلام ، ثم تطورت عبر الأجيال فوصلت إلى شكلها الكلاسيكي في زمن النبي موسى عليه السلام ، ثم وصلت لقمة الإكتمال في زمن سبي بابل و العودة منه ، ثم بدأت في الإندثار بين العامة في زمن البطالمة و حلت محلها الأرامية كلغة دارجة .

أما ابراهيم عليه السلام ، فلم يستقر أغلب المؤرخين على لغة معينة له ، و إن اتفق غالبيتهم على أنه كان يتحدث الكلدانية كأهل العراق قديما ، ثم تحول للسريانية القديمة بعد فترة غير قصيرة من هجرته للشام ، و توارث ذلك أولاده إلى أن اختلطوا بالكنعانيين فنتج عن ذلك ظهور لهجة هي في واقع الأمر خليطا بين الكلدانية و السريانية و الكنعانية ، و تطورت فصارت اللغة العبرية[7] .

أما سكان الجزيرة العربية ، فقد قسمهم المؤرخون إلى قبائل العرب العاربة ، و هم من كانوا يسكنون في الجزيرة العربية قبل مجيء اسماعيل عليه السلام ، و قد سكنوا اليمن و نجد بعض من الساحل الشرقي و عمان ، و قد كانت لغتهم العربية ، و ينسبهم علماء الأنساب إلى سام بن نوح عليه السلام . و العرب المستعربة و هم أبناء اسماعيل عليه السلام و الذين اختلطوا بعؤلاء العاربة و تعلموا منهم العربية و يقال أنها تطورت على أيديهم ، و فنقرأ قول الإمام القرطبي : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين). وقد روي أيضا: أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان[8]، وقد روي غير ذلك. قلنا: الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام، والقرآن يشهد له، قال الله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" [البقرة : 31] واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنـَّة[9] ، و قد عاش هؤلاء المستعربة في الحجاز و شمال الجزيرة و بادية الشام ( الأردن ) .

و مع اختلاط العاربة بالمستعربة انتشرت بينهم عبادة الله الواحد الأحد على يد نبيه ابراهيم الخليل و ولده اسماعيل عليهما السلام ، فيقص علينا القرآن الكريم أن الله تعالى قد أمر ابراهيم و ولده برفع القواعد من بيته المحرم بمكة ، ثم نادى في الناس بتعظيمه و إجلاله و الحج إليه كل عام ، و قد علـّمهم بعض المناسك التي يؤدون بها هذا الحج كما أوحى الله تعالى له ؛ كالتلبية ، و الإحرام ، و الطواف بالبيت سبعا ، و السعي بين الصفا و المروة ، و تعظيم الحجر الأسود ، و الشرب من ماء زمزم . و قد صارت تلك المناسك هي مناسك الحج المتعارف عليها بين سائر الحجيج على اختلاف قبائلهم و بلادهم ،

مفهوم النبوة و الرسالة :

و يتناول الكاتب مفهوم الرسالة و النبوة بمنظور نصفه بأنه ضيق بعض الشيء ، فيقول : (ويلاحظ القارئ ان جميع الديانات المنزلة نزلت في الجزيرة العربية. فالهند والصين واليابان وجنوب شرق آسيا، مثل ‏كوريا وفيتنام ولاوس مجتمعة تمثل اليوم اكثر من نصف سكان العالم، اي حوالي اثنين مليار ونصف المليار شخص. ‏كل هولاء الناس يدينون بالديانات البوذية او " الهندوس" وهي ديانات وضعية غير منزلة. ‏وسكان الجزيرة العربية مجتمعة، لا يتعدون المائة مليون شخص. فلو رجعنا بتعداد سكان العالم الى الوراء بطريقة ‏عكسية " ‏Regression‏ " نستطيع ان نقول قبل حوالي 4000 سنة، لو كان سكان الجزيرة العربية مليون شخص، ‏افتراضاً، فان سكان الهند والصين واليابان مجتمعه، يكون تعدادهم ما يقارب 250 مليون شخص.‏ ) .

و لعل ما جعلنا نصف رؤية الكاتب انها كانت من منظور ضيق أنه نظر للأنبياء المرسلين من عند الله أنهم مرسلين لقوم بعينهم ، و لم يرسلهم الله للعالمين كافة ؛ فإذا تناولنا بالدراسة سيدنا ابراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة و السلام عندما دعا بالتوحيد و افراد العبادة لله في قومه بالعراق فأمن من أمن و كفر من كفر ، فتركهم و انتقل إلى بلاد أخرى يدعو بدعوته و ينشر رسالته و لم يقتصر على قومه فحسب . و كذا فعل غيره من الأنبياء ؛ فعلى سبيل المثال نجد يوسف الصديق عليه أفضل الصلاة و السلام يقول لصاحبيه في السجن و لم يكونا من قومه أو على ملته : {يَصَاحِبَيِ السّجْنِ أَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[10] ، فهاهو يحاول هدايتهم إلى الإله الحق دون أن يتقيد بقومه ، حتى موسى عليه السلام الذي أرسله الله لبني اسرائيل ، لم يكن ليمانع في هداية باقي البشر بدعوته بدليل أنه عرض على فرعون الذي لم يكن من قومه الهداية و قد كفر و اعرض ، أما سبب جعل ديانته من بعده في بني اسرائيل فحسب ، فالسبب يرجع إلى انتشار فكرة أنهم دون باقي البشر ( شعب الله المختار ) ، و التي روّج لها كهنة اليهود أثناء فترة السبي البابلي و ما بعدها ؛ فيكون الله هو رب بني اسرائيل فقط و ليس رب باقي البشر و يخصّهم بالخير و النعم وحدهم دون غيرهم بل أنه قد جعل غيرهم مسخرا لخدمتهم كالأنعام بالنسبة للبشر!.. تلك الفكرة مع أنها ليست من صميم مفهوم الرسالة ألا أنها راجت قبول كبير و صدى واسع في بني اسرائيل بعد ذلك مما جعلهم لا يدعون أو يبشرون بدينهم في الأمم الأخرى كما فعل النصارى من بعد . و هذا يونس عليه السلام عندما أرسله ربه لأهل قريته فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا و أدركته رحمة ربه فأرسله إلى قوم أخرين وصفهم القرآن بأهم مائة ألف أو يزيدون .

و عليه ، فنخلص أن النبوة و الرسالة ليست قاصرة على قوم فحسب دون غيرهم ، و لا يقول النبي أني قد بعثت لأهدي هؤلاء من دون أولئك ، فحتى لو أرسل لقوم بعينهم فلا مانع من أن يهدي أخرين .

و تأكيدا لنظرة الكاتب الضيقة لمفهوم النبوة يطرح سؤالين عن علاقة الله عز و جل و أنبيائه بالناس فيقول : ( لماذا ارسل الله كل هؤلاء الرسل الى مليون شخص في منطقة فلسطين والجزيرة العربية وتجاهل المائتين وخمسين ‏مليون الآخرين؟ لم ينزل ولا رسول واحد بلغة الصين او الهند او اليابان )!!!

و طبعا علامات التعجب الأخيرة من عندي لا من عند الكاتب ، ففي ضوء ما سبق نقول إن الله يرسل الأنبياء للبشر كافة و ليست لمنطقة بعينها أو لقوم بعينهم ، بدليل أن الإسلام الذي يزعم الكاتب أنه قد أرسل للعرب في شبه الجزيرة العربية نجده منتشر في جميع أنحاء العالم على اختلاف اللغات و الأجناس و الأعراق ، بل أن عدد المسلمين في البلاد التي وصفها الكاتب بأنها لم يرسل الله فيها نبي ؛ و هي الصين و الهند و اليابان ، يفوق بكثير عدد المسلمين في فلسطين و الجزيرة العربية التي يزعم الكاتب أن الإسلام قد أرسل لها فحسب !!

و نعود فنسأل الكاتب : و ما الذي يجعلك متأكدا أن الله تعالى لم يرسل لهم نبي ؟.. حقا إن القرآن لا يقص ذلك و لكنه أيضا يؤكد أنه لم يخبرنا بقصص بعض الأنبياء ،يقول الله تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مّن لّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ...}[11] ، و تقول بعض الروايات أنه تعالى قد بعث ثمانية آلاف نبي ؛ أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس[12] . و يقول أيضا في كتابه العزيز : {إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مّنْ أُمّةٍ إِلاّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}[13] ، و أيضا : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ فَمِنْهُم مّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُمْ مّنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ}[14] ، فهاك دعوة من القرآن الكريم للتفكر في الأمم و الأقوام السابقة و التدبر في حالهم ، و من يفعل ذلك يخلص إلى أن وجود وحي من السماء شيء حتمي في ظل ما يلمسه من لمحات التوحيد ، و يرى بعض المفكرين مثل د. مصطفى محمود أن بعض القبائل البدائية التي تؤمن بعبادة إله واحد لا يتنج عندها هذا الإيمان إلا عن طريق رسالة أو نبي قد أرسله الله لها[15] ، و لكن قد لا نعلم عنه شيئا !

و السؤال الثاني الذي يطرحه الكاتب هو : (هل كان سكان الجزيرة العربية في عزلة تامة عن بقية سكان العالم وبالتالي لم يتعرفوا على الديانة اليهودية والديانة ‏المسيحية، وكانوا فقط عبدة اصنام؟‏ ) و يجيب نفسه فيقول : (بالطبع العرب كانوا في اتصال دائم، خاصة عرب جنوب الجزيرة، عن طريق البحر الاحمر، وعرب شمال الجزيرة ‏عن طريق البحر الابيض المتوسط والبحر الاسود، ببقية انحاء العالم، وخاصة الامبراطورية الرومانية التي استعمرت ‏اجزاءً من الجزيرة. وبحكم اختلاطهم بالعالم الخارجي، عرف العرب المسيحية واليهودية وكان يسكن وسطهم يهود ‏يثرب ويهود خيبر وعدد من المبشرين المسيحيين ) ، و نعود نحن فنتساءل : و هل لأن العرب قد عرفوا المسيحية و اليهودية ، فلا داعي لهم من اتباع الإسلام ؟ ، و يجيبنا سيد الورى صلى الله عليه و سلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن مثلي و مثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه ‏وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ، ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه ‏اللبنة! قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)[16] . فلحكمة الله تعالى أن كافة الرسالات السابقة لم تكن كاملة بالقدر المطلوب إلى أن أرسل الله خاتم الأنبياء و المرسلين محمّد صلى الله عليه و سلم بختام رسالات السماء للناس . و قد أرسله الله للناس كافة العربي منهم و الأعجمي ، الأبيض منهم و الأسود ، دون أن يكون لأحدهم على الأخر فرق إلا بالتقوى . و تلك كانت رسالة كافة الأنبياء و الرسل ؛ يقول الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم : {إِنّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىَ نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَىَ وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}[17] ، فوحى الله تعالى لأنبيائه ثابت ، و رسالته للبشر لم تتغير من آدم إلى محمد صلى الله و سلم عليهم وعلى من اتبعوهم إلى يوم الدين . و لعل البعض يتساءل : و ما بال من اتبعوا هؤلاء الأنبياء ذوي الرسالة غير الكاملة ، و لم يُدرك خاتم الأنبياء ؟ أو بمعنى أخر : ما بال من لم يدرك القرآن أو رسالة محمد ؟!

و هل تعلم عزيزي القاريء أن فرعون قد سأل هذا السؤال لموسى عليه السلام عندما أراد هدايته و دعوته للإيمان بالله الواحد الأحد ؛ و لنقرأ معا قول الله تعالى : {إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنّ الْعَذَابَ عَلَىَ مَن كَذّبَ وَتَوَلّىَ * قَالَ فَمَن رّبّكُمَا يَمُوسَىَ * قَالَ رَبّنَا الّذِيَ أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاُولَىَ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كِتَابٍ لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى}[18] ، و يقول الحافظ ابن كثير شارحا الآية : (أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى أي الذين لم يعبدوا الله أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره فقال له موسى في جواب ذلك هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال (لا يضل ربي ولا ينسى) أي لا يشذ عنه شيء ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئا تبارك وتعالى وتقدس وتنزه فإن علم المخلوق يعتريه نقصانين أحدهما عدم الإحاطة بالشيء والآخر نسيانه بعد علمه فنزه نفسه عن ذلك )[19] انتهى كلام ابن كثير .

حال العرب في فترة ما قبل الإسلام :
 
[1] علم الإجتماع الديني – د. مهدي القصاص ، مطبوعات جامعة المنصورة - مصر 2005 .

[2] علم الإجتماع الديني و مشكلات العالم الإسلامي –  محمد أحمد بيومي ، دار المعرفة الجامعية – مصر 2002 .

[3] تفسير القرطبي ، تفسير ابن كثير لسورة الأحزاب : 72 .

[4] البخاري / 4920 – كتاب تفسير القرآن .

[5] حوار مع صديقي الملحد –  د. مصطفى محمود – صفحة 28 ، 29 -  طبعة أخبار اليوم مصر 2001 .

[6] المائدة : 27 .

[7] راجع ماكتبه وول ديورانت في ( قصة الحضارة ) ، ج 2/215 ، طبعة الهيئة العامة للكتاب مصر 2001 .

[8] و هو من أجداد العرب العاربة المشاهير .

[9] تفسير القرطبي لسورة البقرة : 31

[10] يوسف : 39 - 40

[11] غافر : 78

[12] تفسير الجلالين للأية السابقة .

[13] فاطر : 24

[14] النحل : 36

[15] حوار مع صديقي الملحد – د. مصطفى محمود ( مرجع سابق ) .

[16] بخاري / 3342 – كتاب المناقب ، باب: خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم .

[17] النساء : 163

[18] طه : 48 - 52

[19] تفسير القرآن العظيم – للحافظ ابن كثير